احنا هنا

٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦

مفيدة لمن؟ حين تتحول السوشيال ميديا إلى أداة تهديد وتبرير للعنف

قامت بكتبتها / محمد بركات
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور «الترند» وما يرتبط به من سعي إلى الشهرة وجذب الانتباه، أصبح تصوير المواقف بالهاتف ونشرها عبر المنصات المختلفة أمرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ. وبينما يتفاعل المستخدمون مع هذه المقاطع من خلف الشاشات، يغيب عن كثيرين السياق الكامل لما يشاهدونه، وتتحول وقائع تمس حياة أشخاص حقيقيين إلى مادة للتعليق والحكم والتداول.
ومن أمثلة هذه الظاهرة مقاطع الفيديو التي تتضمن خلافات أسرية أو اتهامات بالخيانة أو مشاهد عنف داخل العلاقات، وسرعان ما تنتشر على نطاق واسع، مصحوبة بتعليقات تتجاوز مناقشة الواقعة إلى إصدار الأحكام على أطرافها. وفي كثير من الحالات، لا يعرف المتابعون ما الذي سبق التصوير أو ما حدث بعده، ولا يملكون معلومات موثوقة عن الأشخاص الظاهرين في المقطع، ومع ذلك يبدأ توزيع الاتهامات، وغالبًا ما تتحمل النساء النصيب الأكبر من الإدانة والتشهير
وقد تتضمن هذه التعليقات اتهامات تمس سمعة المرأة، أو تحميلها مسؤولية العنف الذي تعرضت له، أو السخرية من بكائها وانهيارها، بل واعتبار ما حدث لها نتيجة تستحقها بسبب سلوك يُفترض أنها ارتكبته. وهكذا يتحول الجمهور من مجرد متلقٍ للمحتوى إلى طرف في محاكمة إلكترونية لا تستند بالضرورة إلى معلومات مكتملة، ويُختزل أشخاص في لحظات مصورة تُستخدم للحكم عليهم والتشهير بهم.
ولا تتوقف خطورة الأمر على صحة الاتهامات من عدمها؛ فثبوت البراءة لا يمحو بالضرورة آثار الإساءة إلى السمعة، وحتى إذا ثبتت صحة اتهام ما، فإنه لا يمنح الآخرين الحق في انتهاك الخصوصية أو التشهير بصاحبه. كما أن ظهور الأطفال في خلفية هذه المقاطع يضاعف الضرر، إذ يجدون أنفسهم جزءًا من محتوى متداول على نطاق واسع دون اختيار منهم، وقد تظل آثاره قائمة حتى بعد حذف المنشور الأصلي.
هنا يتجاوز السؤال حدود ما حدث في الواقعة إلى الطريقة التي نتعامل بها معها: ماذا نفعل عندما تصل إلينا هذه المشاهد؟ وهل يمنحنا ظهور شخص في فيديو متداول الحق في الحكم عليه أو الخوض في عرضه؟ ومتى يتحول التفاعل مع المحتوى إلى مشاركة في الأذى؟ والأهم، من يتحمل المسؤولية حين يصبح التشهير وسيلة للضغط النفسي والاجتماعي، أو يتحول إلى غطاء لتبرير العنف؟
وسيلة تواصل أم أداة ضغط؟
تتيح منصات التواصل الاجتماعي مساحات واسعة للتعبير وتبادل المعرفة ومناقشة القضايا العامة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أدوات للإساءة والتهديد والتشهير. فالمحتوى الذي يثير الصدمة أو الغضب قد يجذب تفاعلًا واسعًا، ما يخلق بيئة تساعد على انتشاره، خصوصًا عندما يتضمن خلافات شخصية أو اتهامات تمس السمعة.
ولا تكمن المشكلة في تداول المحتوى المثير للجدل وحده، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها ويُستهلك من خلالها؛ فعندما يتحول العنف إلى مشهد للفرجة، أو تصبح الإهانة مادة للترفيه، أو تُستخدم اتهامات غير مثبتة لتبرير الاعتداء، تفقد المنصة دورها كمساحة للتواصل وتصبح جزءًا من دائرة الأذى.
ماذا يحدث حين ينتشر المحتوى؟
توسّع كل مشاركة وإعادة نشر دائرة الوصول إلى المحتوى، وقد تتيح نسخ الفيديو المتداولة ظهوره مجددًا حتى بعد حذف المنشور الأصلي. ومع اتساع دائرة المشاهدة، تصبح السيطرة على انتشاره أكثر صعوبة، ويجد الشخص الظاهر فيه نفسه أمام جمهور لا يعرفه، لكنه قد يشارك في تشكيل صورته الاجتماعية والحكم على حياته الخاصة.
ولا تنتهي آثار هذا الانتشار عند الشاشة؛ فقد يواجه المتضرر خوفًا وقلقًا وعزلة وضغوطًا اجتماعية، فضلًا عن القلق بشأن الأسرة والعمل والعلاقات الشخصية وهكذا قد يتحول مقطع لا يستغرق سوى ثوانٍ إلى مصدر لأذى ممتد، بينما يواصل المستخدمون الانتقال إلى محتوى آخر دون إدراك ما خلّفوه وراءهم
حين يتحول الجمهور من متفرج إلى مشارك
لا تقتصر المسؤولية على الشخص الذي صوّر الواقعة أو نشرها أول مرة؛ فالمستخدم الذي يعيد تداول المقطع، أو يضيف تعليقًا مهينًا، أو يطلق اتهامات لا يملك دليلًا عليها، يساهم في توسيع دائرة الضرر. وقد يبدو التعليق الفردي فعلًا بسيطًا، لكنه حين يتكرر على نطاق واسع يتحول إلى ضغط جماعي يصعب على الشخص المستهدف مواجهته.
وتكتسب هذه الممارسات بُعدًا جندريًا حين تُحمَّل النساء مسؤولية العنف الواقع عليهن، أو تُربط كرامتهن وسلامتهن بأحكام أخلاقية يصدرها الجمهور. فبدلًا من مساءلة العنف نفسه، ينصرف النقاش إلى سلوك المرأة المفترض، وكأن عليها إثبات استحقاقها للحماية قبل الاعتراف بحقها فيها. وفي هذه الحالة، لا يكتفي الجمهور بمشاهدة العنف، بل قد يشارك في إعادة إنتاجه وتبريره.
أين مسؤولية المنصة؟
تتحمل المنصات مسؤولية تتعلق بكيفية تعاملها مع المحتوى المسيء والبلاغات الواردة بشأنه، ومدى وضوح إجراءات الإبلاغ والإزالة وسرعتها وتبرز هنا أسئلة أساسية: هل يستطيع المستخدم الإبلاغ بسهولة عن محتوى ينتهك الخصوصية أو يتضمن تشهيرًا؟ وكيف تتعامل المنصة مع النسخ المعاد نشرها؟ وهل تشمل إجراءات الحماية الأشخاص الذين يظهرون في المحتوى دون موافقتهم؟
ولا يكفي تقييم دور المنصات من خلال سياساتها المعلنة وحدها، بل ينبغي النظر أيضًا إلى كيفية تطبيقها عمليًا، ومدى فاعلية آلياتها في الحد من انتشار المحتوى الضار. فسهولة النشر وإعادة المشاركة تقابلها ضرورة توفير إجراءات حماية واضحة وفعالة، تتيح للمتضررين طلب إزالة المحتوى ومتابعة البلاغات
أين مسؤولية المستخدم؟
المستخدم ليس مجرد متلقٍ محايد؛ فاختياراته في المشاهدة والتعليق والمشاركة تؤثر في مدى انتشار المحتوى وفي حجم الضرر الناتج عنه. ولذلك تبدأ المسؤولية الفردية بالامتناع عن إعادة نشر المقاطع التي تنتهك الخصوصية، وتجنب التعليقات التي تتضمن سخرية أو اتهامات أو لومًا للمتضرر، وعدم تحويل الوقائع الشخصية إلى مادة للترفيه.
كما أن غياب المعلومات الكاملة يستدعي التريث بدلًا من إصدار الأحكام، والإبلاغ عن المحتوى الذي يتضمن عنفًا أو تهديدًا أو تشهيرًا من خلال الأدوات المتاحة على المنصة. وإذا كان الشخص المتضرر بحاجة إلى مساعدة، فإن توجيهه إلى جهات دعم موثوقة أكثر فائدة من إعادة تداول قصته على نطاق أوسع.
هل يكفي حذف المنشور؟
حذف المنشور الأصلي خطوة مهمة، لكنه لا يضمن انتهاء الضرر؛ فقد تكون نسخ أخرى قد انتشرت بالفعل، أو أُعيد تحميل المقطع عبر حسابات مختلفة. لذلك يتطلب التعامل مع هذه الحالات إجراءات تتجاوز إزالة المنشور الأول، وتشمل الإبلاغ عن النسخ المتداولة، وتسهيل طلبات الإزالة، وحماية خصوصية الأشخاص الظاهرين في المحتوى، وإتاحة الوصول إلى الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني عند الحاجة.
ويظل المسار القانوني أحد جوانب المساءلة، لكن تحديد المسؤولية يتطلب فحص طبيعة المحتوى، وكيفية الحصول عليه ونشره، ومدى انتهاكه للحقوق المحمية قانونًا. وفي السياق المصري، ينبغي الرجوع إلى النصوص القانونية ذات الصلة بالخصوصية والاعتداء على الحياة الخاصة والجرائم المرتكبة باستخدام وسائل تقنية المعلومات، مع التمييز بين الأفعال التي يجرّمها القانون وتلك التي قد تكون مؤذية اجتماعيًا دون أن ينطبق عليها بالضرورة وصف قانوني محدد.
ثلاث مسؤوليات لا تنفصل
تبدأ المسؤولية من المستخدم الذي يقرر ما إذا كان سيشارك في التشهير أم سيمتنع عنه، وتمتد إلى المنصة التي ينبغي أن توفر آليات فعالة للتعامل مع المحتوى المسيء، وصولًا إلى المجتمع الذي يحدد، من خلال مواقفه وخطابه، ما إذا كان سيمنح الضحايا الدعم أم سيضيف إلى معاناتهم أحكامًا جديدة.
ولا يعني ذلك أن منصات التواصل الاجتماعي فقدت قيمتها بوصفها أدوات للتعبير والمعرفة والتواصل؛ وإنما يعني أن هذه الوظائف لا تنفصل عن مسؤولية حماية الحقوق والكرامة الإنسانية. فحرية التعبير لا تستلزم انتهاك الخصوصية، والتفاعل لا يبرر التشهير، والاشتباه لا يمنح أحدًا الحق في تبرير العنف.
في النهاية، ليست كل واقعة متداولة دعوة إلى إصدار حكم، وليس كل ما يمكن تصويره أو نشره ينبغي أن يتحول إلى محتوى متاح للجميع. وبين ضغطة زر قد توسّع دائرة الأذى، وقرار واعٍ بالامتناع عن المشاركة، تتحدد مسؤولية كل مستخدم في ألا يصبح جزءًا من عنف جديد يُمارَس هذه المرة خلف الشاشات.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
كيف تصبح التشهير بامرأة منتجًا رقميًا يُستهلك ويُعاد توزيعه؟ ومن يربح من هذا الاستهلاك؟
«إنتِ خاينة»؛ جملة واحدة كانت كافية لتتحول امرأة من زوجة إلى متهمة، ومن شريكة حياة إلى موضوع لمحاكمة علنية، لا تبدأ بالبحث عن حقيقة ما حدث بقدر ما تنشغل بإصدار الحكم عليها. في الفيديو المتداول، لم يتوقف الجدل عند اتهام الرجل لزوجته بالخيانة، بل امتد إلى ما ينبغي أن يحدث لها بعد ذلك: هل يطلّقها؟ […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
«أرض الأب للذكر».. حين يصبح طلب المرأة لميراثها سببًا للقطيعة
«أرض الأب للذكر».. كانت هذه الجملة هي الحكم الذي أصدره أحد الإخوة حين طالبت شقيقاته بنصيبهن من ميراث والدهن لم يناقش معهن قيمة الأرض، ولم يبحث في أنصبة كل وارث، ولم يسأل حتى عن الطريقة القانونية لتقسيم التركة؛ كان الأمر بالنسبة إليه محسومًا منذ البداية: أرض الأب فتبقى للذكور، لأن «رجلًا غريبًا»؛ أي زوج الابنة؛ […]
قرائة المزيد