احنا هنا

٢١ أكتوبر ٢٠٢٦

كيف تصبح التشهير بامرأة منتجًا رقميًا يُستهلك ويُعاد توزيعه؟ ومن يربح من هذا الاستهلاك؟

قامت بكتبتها / هاجر سعيد
«إنتِ خاينة»؛ جملة واحدة كانت كافية لتتحول امرأة من زوجة إلى متهمة، ومن شريكة حياة إلى موضوع لمحاكمة علنية، لا تبدأ بالبحث عن حقيقة ما حدث بقدر ما تنشغل بإصدار الحكم عليها. في الفيديو المتداول، لم يتوقف الجدل عند اتهام الرجل لزوجته بالخيانة، بل امتد إلى ما ينبغي أن يحدث لها بعد ذلك: هل يطلّقها؟ هل يفضحها؟ وهل كان عليه أن يسترها من أجل أولادهما؟
لكن وسط هذه الأحكام المتعجلة، يظل سؤال غائبًا عن المشهد: ماذا لو كان الاتهام موجّهًا إلى رجل؟ هل كانت كلمة «خائن» ستكفي لتجريده من سمعته وكرامته، أم كانت ستبدأ رحلة البحث عن الأعذار التي تخفف عنه وطأة الاتهام؟
في الفيديو المتداول مؤخرًا، رجل يواجه زوجته بتهمة الخيانة فانقسم الناس: من يقول «طلّقها»، ومن يرى أنه ما كان ينبغي أن يصوّرها «ستْرًا» و«من أجل الأولاد» .
لكن لنقلب الصورة حين يكون الرجل هو الخائن، تتغير اللغة كلها. هذه عبارات تتكرر :
«اعتبريها نزوة وعدّي.» «اهتمي بنفسك أكثر.» «جرّبي تصبغي شعرك وحاولي تستعيديه.»
«لا تهدمي البيت من أجل غلطة.» «كل الرجال أعينهم زائغة، واستحملي من أجل أولادك.»
لا أحد يطلب من الرجل في الحالة المعاكسة أن «يهتم بنفسه أكثر»
ليست المسألة هنا الدفاع عن الخيانة أو التقليل من أثرها، ولا تبرئة طرف على حساب آخر؛ بل مساءلة المعايير التي تجعل الفعل نفسه يستدعي أحكامًا مختلفة بحسب من ارتكبه. فحين يخون الرجل، قد تتحول الخيانة إلى نزوة عابرة، أو غلطة تستحق فرصة أخرى، أو أزمة يُطلب من زوجته احتواؤها حفاظًا على الأسرة. أما حين تُتَّهم المرأة بالخيانة، فقد تتجاوز المحاسبة حدود العلاقة لتصبح محاكمة لسمعتها وأخلاقها، ويُمنح المحيطون بها حق التشهير بها وإصدار الأحكام على حياتها الخاصة.
هذه الازدواجية لا تتوقف عند التعليقات، بل تظهر في الطريقة التي يُستدعى بها مفهوم «الستر»: يُقدَّم أحيانًا باعتباره واجبًا على المرأة حين يخون زوجها، بينما يصبح التشهير بها مقبولًا حين تكون هي المتهمة. وفي الحالتين، يُستخدم الأبناء بوصفهم حجة جاهزة، لكن باتجاهين متناقضين؛ مرة لتبرير استمرار المرأة في العلاقة، ومرة لتبرير فضحها باسم حماية الأسرة.
والأكثر دلالة أن النقاش كثيرًا ما يبدأ من افتراض إدانة المرأة، لا من التحقق من حقيقة الاتهام أو مساءلة الطريقة التي عُرضت بها الواقعة على الجمهور فالاتهام ليس دليلًا، والخلاف الزوجي لا يمنح أحد الطرفين حق تحويل الآخر إلى مادة للتشهير، مهما كانت طبيعة الخلاف
ولا تنفصل هذه المعايير الاجتماعية عن الإطار القانوني؛ فجريمة الزنا في القانون المصري تخضع لأحكام تختلف في نطاق تطبيقها على الزوج والزوجة، وهو تمييز أثار نقاشات وطعونًا دستورية بشأن مدى اتساقه مع مبدأ المساواة. وهكذا، لا يقتصر السؤال على الطريقة التي يحكم بها المجتمع على الخيانة، بل يمتد إلى المعايير التي ينظم بها القانون المساءلة عنها
للخيانة آثار نفسية مؤلمة، سواء تعرّض لها رجل أو امرأة؛ فقد تهز الثقة، وتربك الإحساس بالأمان، وتترك أثرًا عميقًا في العلاقة. لكن الألم لا يفسر لماذا يُمنح أحد الطرفين حق الغضب والرفض، بينما يُطلب من الآخر التسامح والصمت، أو لماذا تتحول مساءلة المرأة عن فعلها إلى مناسبة للنيل من كرامتها.
المشكلة ليست في أن المجتمع يدين الخيانة، بل في أنه لا يدينها بالمعيار نفسه. فحين يُمنح الرجل حق الخطأ وفرصة الاعتذار، وتُحاصر المرأة بالوصمة حتى بعد انتهاء الواقعة، لا نكون أمام موقف أخلاقي ثابت من الخيانة، بل أمام منظومة تمنح الرجال والنساء حقوقًا مختلفة في الخطأ، والغفران، والكرامة.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
مفيدة لمن؟ حين تتحول السوشيال ميديا إلى أداة تهديد وتبرير للعنف
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور «الترند» وما يرتبط به من سعي إلى الشهرة وجذب الانتباه، أصبح تصوير المواقف بالهاتف ونشرها عبر المنصات المختلفة أمرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ. وبينما يتفاعل المستخدمون مع هذه المقاطع من خلف الشاشات، يغيب عن كثيرين السياق الكامل لما يشاهدونه، وتتحول وقائع تمس حياة أشخاص حقيقيين […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
«أرض الأب للذكر».. حين يصبح طلب المرأة لميراثها سببًا للقطيعة
«أرض الأب للذكر».. كانت هذه الجملة هي الحكم الذي أصدره أحد الإخوة حين طالبت شقيقاته بنصيبهن من ميراث والدهن لم يناقش معهن قيمة الأرض، ولم يبحث في أنصبة كل وارث، ولم يسأل حتى عن الطريقة القانونية لتقسيم التركة؛ كان الأمر بالنسبة إليه محسومًا منذ البداية: أرض الأب فتبقى للذكور، لأن «رجلًا غريبًا»؛ أي زوج الابنة؛ […]
قرائة المزيد