احنا هنا

٢١ أكتوبر ٢٠٢٦

«أرض الأب للذكر».. حين يصبح طلب المرأة لميراثها سببًا للقطيعة

قامت بكتبتها / اسماء امين
«أرض الأب للذكر».. كانت هذه الجملة هي الحكم الذي أصدره أحد الإخوة حين طالبت شقيقاته بنصيبهن من ميراث والدهن لم يناقش معهن قيمة الأرض، ولم يبحث في أنصبة كل وارث، ولم يسأل حتى عن الطريقة القانونية لتقسيم التركة؛ كان الأمر بالنسبة إليه محسومًا منذ البداية: أرض الأب فتبقى للذكور، لأن «رجلًا غريبًا»؛ أي زوج الابنة؛ لا ينبغي أن يحصل على أرض العائلة.
تبدو العبارة بسيطة، لكنها تختصر تصورًا اجتماعيًا كاملًا عن المرأة وموقعها داخل العائلة: الابن يُنظر إليه باعتباره امتدادًا للأسرة وحاملًا لاسمها وملكيتها، بينما تصبح البنت، خصوصًا بعد الزواج، شخصًا يُخشى أن تنتقل من خلاله ملكية الأسرة إلى أسرة أخرى
فحق المرأة في الميراث لا يتوقف على كونها متزوجة أو غير متزوجة، ولا على ما إذا كان المال سيبقى داخل الأسرة أو ينتقل إلى زوجها وينص القرآن في سورة النساء على أن للرجال والنساء نصيبًا مما ترك الوالدان والأقربون: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» [النساء: 7]
وفي التشريع المصري، تخضع مسائل المواريث لأحكام قانون المواريث ولا يوجد فيه تقسيم يقوم على فكرة أن «أرض الأب للذكور» لمجرد كونهم ذكورًا بل إن تحديد نصيب كل وارث يرتبط بصفته وارثًا وبترتيب الورثة وأنصبتهم ولذلك فإن المشكلة هنا ليست في غياب النص، وإنما في أن العرف قد يتحول داخل بعض الأسر إلى سلطة أقوى من القانون؛ قاعدة غير مكتوبة، لكنها قادرة على تحديد من يملك ومن يتنازل، ومن يبقى «من أهل البيت» ومن يصبح حصوله على حقه تهديدًا لتماسك العائلة

من حياة الأب إلى ما بعد الوفاة.. كيف تبدأ محاولة إبعاد المرأة عن التركة؟
حرمان المرأة من الميراث لا يبدأ دائمًا لحظة وفاة الأب؛ ففي بعض الحالات يبدأ قبلها بسنوات قد يتصرف الأب في ممتلكاته خلال حياته، وقد ينقل ملكية بعض الأصول أو يهبها أو يبيعها، وهنا يجب التمييز قانونيًا بين تصرف حقيقي ومشروع في مال يملكه الشخص أثناء حياته وبين استخدام التصرفات كوسيلة صورية أو احتيالية للإضرار بحقوق الآخرين؛ فليس كل تصرف سابق على الوفاة يمكن وصفه تلقائيًا بأنه «حرمان من الميراث»
لكن المشكلة تظهر بوضوح أكبر بعد الوفاة، عندما تصبح التركة محل استحقاق للورثة عندها قد تبدأ المساومات «خدي فلوس وسيبي الأرض»، أو «إنتِ مش محتاجة الأرض»، أو «خدي مبلغ ونقفل الموضوع»، وقد يُعرض على المرأة مبلغ أقل بكثير من القيمة الفعلية لنصيبها، ثم يُقدَّم الأمر على أنه مساعدة من الأخ أو «حل وسط» يضمن استمرار العلاقة وفي بعض الحالات قد يحتفظ أحد الورثة بعقود الملكية أو المستندات التي تثبت حق بقية الورثة، أو يماطل في تسليمهم نصيبهم وهنا لا يتحدث القانون عن مجرد خلاف عائلي فالقانون يجرّم الامتناع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث، وكذلك حجب السند الذي يؤكد نصيبًا لوارث أو الامتناع عن تسليمه عند طلبه
«لو أخدتي الورث مش هيبقى بينا إخوات»..
لكن أكثر أشكال الحرمان تعقيدًا هو ذلك الذي لا يحتاج إلى قوة أو تهديد مباشر، لأن الأسرة نفسها تصبح أداة الضغط قد تسمع المرأة «إنتِ هتفرقي إخواتك»، «إحنا إخوات ومينفعش نحاسب بعض على الفلوس»، «هتاخدي الأرض وتديها لجوزك»، أو «لو دخلتي المحكمة مش هيبقى بينا كلام تاني»
وقد يصل الأمر إلى مطالبتها بالتنازل عن نصيبها باعتباره اختبارًا لحبها لإخوتها أو حفاظًا على «لمّة العائلة» وفي بعض الحالات، تدخل الأم في هذه المعادلة؛ ليس بالضرورة لأنها صاحبة مصلحة مباشرة في حرمان ابنتها، وإنما لأن العلاقات داخل الأسرة قد تجعل الابن الذكر هو السند الاقتصادي والاجتماعي، فتخشى الأم خسارته أو تفكك الأسرة وهكذا يتحول الضغط من مطالبة مباشرة بالتنازل إلى ابتزاز عاطفي أكثر تعقيدًا " خذي قرارك، لكن اعرفي أن ثمنه قد يكون أخاك أو أمك أو بيت العائلة"
والمفارقة أن المرأة حين تستجيب للضغط لا تُعامل دائمًا بوصفها صاحبة فضل تنازلت عن حقها، بل قد يُعاد تفسير تنازلها لاحقًا باعتباره دليلًا على أن هذا الحق لم يكن مهمًا أصلًا أما حين ترفض، فتُوصف بأنها أنانية وطماعة وغير مراعية للعائلة
هنا يظهر أحد أهم أوجه التمييز على أساس النوع الاجتماعي: لا يُنظر إلى قرار الرجل بالاحتفاظ بنصيبه بوصفه تهديدًا للأسرة، بينما يُعاد تعريف مطالبة المرأة بنصيبها باعتبارها سلوكًا قد يهدد الروابط العائلية
حتى في الخطاب الديني الرسمي، تؤكد دار الإفتاء المصرية أن حرمان الإناث من الميراث بغير رضاهن مخالف لأحكام المواريث، وتستند في ذلك إلى آيات المواريث نفسها، التي وصفت الأنصبة بأنها «نصيبًا مفروضًا» و«فريضة من الله».
«هي محتاجة للفلوس ليه؟»..
من أكثر المفارقات وضوحًا في التعامل مع ميراث النساء أن المجتمع كثيرًا ما يسأل عن سبب حصولها على المال بدلًا من السؤال عن سبب حرمانها منه قد تكون المرأة أرملة، أو مطلقة، أو غير متزوجة، أو متزوجة لكنها تعاني اقتصاديًا هي وأطفالها، وقد تستخدم نصيبها في شراء مسكن أو تعليم أبنائها أو بدء مشروع أو ببساطة في تأمين حياتها لكن كل هذه التفاصيل ليست هي التي تنشئ حقها في الميراث
فهي لا ترث لأنها فقيرة، ولا لأنها بلا زوج، ولا لأنها أم لأطفال، وإنما لأنها وارثة وفق القواعد المنظمة للإرث وفي المقابل، لا يُطلب من الرجل عادة أن يقدم كشفًا بأسباب حاجته إلى نصيبه لا أحد يقول للأخ: «أنت عندك شغل، لماذا تريد الأرض؟»، أو «زوجتك مسؤولة عن نفسها، لماذا تأخذ نصيبك؟» لكن المرأة قد تسمع: «هتعملي إيه بالفلوس؟»، «مش جوزك مسؤول عنك؟»، «هتديها لجوزك»، أو «إنتِ مش محتاجة زي أخوكي»
هنا لا يعود النقاش حول الميراث نفسه، وإنما حول حق المرأة في امتلاك المال واتخاذ القرار بشأن. والقانون المصري يحمي أصل الملكية الخاصة؛ فالمادة 35 من الدستور تنص على أن «الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول»، كما تنص المادة 53 على أن المواطنين لدى القانون سواء، وتحظر التمييز بسبب الجنس وغيره من الأسباب وفي المقابل، لا يعني ذلك أن جميع أنصبة الرجال والنساء متساوية في كل حالات الميراث؛ فالأنصبة التي قررها قانون المواريث وفق أحكام الشريعة تختلف باختلاف درجة القرابة وتركيب الورثة النقطة هنا أكثر تحديدًا: حين تكون المرأة وارثة، لا يجوز تحويل حقها المقرر إلى منحة عائلية مشروطة برضا الآخرين أو بتقييمهم لمدى حاجتها
المشكلة ليست في الميراث.. بل فيمن يُسمح له أن يملك
في النهاية، تكشف قضية حرمان النساء من الميراث عن شيء يتجاوز قطعة أرض أو مبلغًا ماليًا. إنها تكشف عن تصور اجتماعي للملكية نفسها: من يُعتبر امتدادًا حقيقيًا للعائلة؟ من يُسمح له بأن يملك؟ ومن يُطلب منه أن يتنازل حتى تبقى الأسرة «متماسكة»؟ عندما يقال إن الأرض يجب أن تظل مع الابن لأن «زوج البنت رجل غريب»، فإن القضية لم تعد مجرد تقسيم تركة؛ إنها فكرة ترى أن ملكية المرأة أقل أمانًا للعائلة من ملكية الرجل، وأن زواجها يجعل حقها قابلًا لإعادة التفاوض. ولهذا فإن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط بتذكير النساء بأن لهن حقًا في الميراث، وإنما بكسر المعادلة التي تربط حصول المرأة على حقها بخسارة أسرتها. القرآن نفسه لم يقدم الميراث باعتباره مساحة تترك للأهواء العائلية، بل قال بعد بيان الأنصبة: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» [النساء: 13]، ووصفت آيات المواريث الأنصبة بأنها «نصيبًا مفروضًا» و«فريضة من الله» كما تؤكد دار الإفتاء المصرية أن منع أحد الورثة من نصيبه أو المماطلة في تسليمه لا يجوز، وأن ملك الوارث لنصيبه يثبت بالميراث، ولا يجوز للآخرين التسلط على هذا المال أو منعه منه

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
مفيدة لمن؟ حين تتحول السوشيال ميديا إلى أداة تهديد وتبرير للعنف
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور «الترند» وما يرتبط به من سعي إلى الشهرة وجذب الانتباه، أصبح تصوير المواقف بالهاتف ونشرها عبر المنصات المختلفة أمرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ. وبينما يتفاعل المستخدمون مع هذه المقاطع من خلف الشاشات، يغيب عن كثيرين السياق الكامل لما يشاهدونه، وتتحول وقائع تمس حياة أشخاص حقيقيين […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
كيف تصبح التشهير بامرأة منتجًا رقميًا يُستهلك ويُعاد توزيعه؟ ومن يربح من هذا الاستهلاك؟
«إنتِ خاينة»؛ جملة واحدة كانت كافية لتتحول امرأة من زوجة إلى متهمة، ومن شريكة حياة إلى موضوع لمحاكمة علنية، لا تبدأ بالبحث عن حقيقة ما حدث بقدر ما تنشغل بإصدار الحكم عليها. في الفيديو المتداول، لم يتوقف الجدل عند اتهام الرجل لزوجته بالخيانة، بل امتد إلى ما ينبغي أن يحدث لها بعد ذلك: هل يطلّقها؟ […]
قرائة المزيد