احنا هنا

٣٠ يونيو ٢٠٢٦

خلف الأبواب المغلقة: لماذا يُعد جلي الصحون وتقسيم المهام المنزلية فعلاً سياسياً؟

قامت بكتبتها / اسماء امين
في بيوتنا ، هناك أصوات لا تُسمع، ومعارك صامتة تُخاض كل يوم فوق أرضيات المطابخ، وبجانب غسالات الملابس لطالما نُظر إلى "العمل المنزلي" بوصفه روتيناً بديهياً، واجباً بيولوجياً جُبلت عليه النساء، وشيئاً يحدث "بصمت وهدوء" دون حاجة للنقاش

 حتى النساء أنفسهن، في كثير من الأحيان، يتنازلن عن التفكير في هذا العبء باعتباره قدراً لا فكاك منه  لكن الحقيقة المنسية خلف جدران المنازل هي أن تقسيم المهام المنزلية ليس مجرد توزيع لغسيل الصحون وترتيب الأسِرّة؛ إنه في عمقه فعل اجتماعي وسياسي، ومؤشر حقيقي على مدى عدالة المجتمع أو زيفه 

 

المطبخ كساحة معركة: التاريخ و الرجولة المتخيلة


 

منذ الأزل، ارتبطت أدوار الرعاية بالنساء بشكل إقصائي ورغم "اقتحام" المرأة لسوق العمل وتحملها نصف العبء المادي للأسرة (وفي كثير من الأحيان العبء كاملاً)، إلا أن سياط الواجب المنزلي لم ترفع عن ظهرها حتى في لحظات مرضها وإنهاكها، تظل المرأة في الوعي الجمعي مسؤولة عن طهي الطعام، وتنظيف المنزل، ورعاية الأطفال، بل وحتى رعاية كبار السن من أهل الزوج إنه جهد يُستهلك فيه جسدها وصحتها النفسية، دون مقابل، ودون كلمة شكر، وكأنها ماكينة تعمل بطاقة التزام أبدي لا ينضب 

 

المفارقة تكمن في أن مجتمعاتنا التي ترفع شعارات الدين والقدوة، تتناسى عمداً سلوك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي سُئلت عنه زوجته عائشة فقالت إنه "كان في مهنة أهله" (أي في خدمتهم ومساعدتهم) في زمننا الحالي، تحولت هذه القدوة إلى نقيضها؛ وبات النمط السائد يرى في إمساك الرجل بمكنسة أو وقوفه أمام موقد الطهي "قمة الإهانة" وتقليلاً من رجولة متخيلة، وكأن الذكورة تُقاس بمدى الاتكالية والقدرة على تهميش جهد الشريكة

 

"تستيقظ في السادسة صباحاً، تجهز الأطفال، تذهب إلى وظيفتها، تعود لتطهو وتنظف وتذاكر الصغار.. وفي نهاية اليوم، يُنظر إلى كل ما فعلته كلاشيء.. مجرد روتين طبيعي!"

 

الاقتصاد غير المرئي: البيوت التي تسند الدولة


إذا أردنا قراءة الموضوع بعين سياسية واقتصادية، فإن ما تفعله النساء داخل البيوت هو "الوقود الخفي" الذي يحرك عجلة الاقتصاد الكلي، دون أن يظهر في مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي 

 

و هذا الخلل لا يعني مجرد تعب نسائي، بل يعني اقتصادياً أن المرأة تمنح بقية أفراد الأسرة (الرجل تحديداً) الوقت والراحة والبيئة المستقرة للتركيز في وظائفهم، والإنتاج، وتحقيق ذواتهم 

 

لنقم بحسبة إنسانية واقتصادية بسيطة: لو أرادت الأسرة استبدال جهد المرأة بمربية أطفال، وعاملة نظافة، وطاهية محترفة، وممرضة لكبار السن، لكلف ذلك مبالغ طائلة تعجز عن تحملها الطبقات المتوسطة والفقيرة  المرأة هنا تحل محل "مؤسسة خدمية كاملة" بمفردها، وبالمجان ومع ذلك، يُنظر إلى عملها على أنه بلا قيمة مادية أو معنوية، فقط لأنه "عمل غير مرئي" 

 

جيل ينمو على العدالة: أبعد من مجرد تنظيف


 

عندما تطالب الحركات النسوية والمنظمات الحقوقية بإعادة الاعتبار للعمل المنزلي، فهي لا تطلب "منة" أو "مساعدة"، بل تطالب بتغيير السياسات والوعي إن تقسيم الأدوار داخل الأسرة هو خطوة نحو ردم الهوة بين الجنسين، وإتاحة مساحة زاوية صغيرة للمرأة لتتنفس، لتحلم، وتستعيد ذاتها الشغوفة بعيداً عن الممسحة والموقد

أما الأثر الأجمل لتقسيم المهام فيتجلى في عيون الأطفال عندما يرى الطفل والده يشارك في الطهي، ووالدته تشارك في القرار والإعالة، ينشأ جيل جديد معافى من عقد "الامتياز الذكوري" و"الخضوع الأنثوي" جيل يفهم المسؤولية كفعل تشاركي، والاحترام كقيمة متبادلة.

في النهاية، إن الطريقة التي ندير بها بيوتنا من الداخل هي مرآة لتقدمنا الإنساني في الخارج  تقسيم الأدوار داخل المنزل ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو إعادة تشكيل لعلاقات إنسانية دافئة وعادلة كدنا ننساها وسط ركام التقاليد الموروثة  المطبخ ليس حكراً على أحد، والمنزل مسؤولية من يسكنه، والعدالة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.. تبدأ من غسيل الصحون 

 

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
مفيدة لمن؟ حين تتحول السوشيال ميديا إلى أداة تهديد وتبرير للعنف
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور «الترند» وما يرتبط به من سعي إلى الشهرة وجذب الانتباه، أصبح تصوير المواقف بالهاتف ونشرها عبر المنصات المختلفة أمرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ. وبينما يتفاعل المستخدمون مع هذه المقاطع من خلف الشاشات، يغيب عن كثيرين السياق الكامل لما يشاهدونه، وتتحول وقائع تمس حياة أشخاص حقيقيين […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
كيف تصبح التشهير بامرأة منتجًا رقميًا يُستهلك ويُعاد توزيعه؟ ومن يربح من هذا الاستهلاك؟
«إنتِ خاينة»؛ جملة واحدة كانت كافية لتتحول امرأة من زوجة إلى متهمة، ومن شريكة حياة إلى موضوع لمحاكمة علنية، لا تبدأ بالبحث عن حقيقة ما حدث بقدر ما تنشغل بإصدار الحكم عليها. في الفيديو المتداول، لم يتوقف الجدل عند اتهام الرجل لزوجته بالخيانة، بل امتد إلى ما ينبغي أن يحدث لها بعد ذلك: هل يطلّقها؟ […]
قرائة المزيد