احنا هنا

٢١ أكتوبر ٢٠٢٦

حين يُسمّى الحب عملاً قراءة نسوية في «أجور مقابل الأعمال المنزلية» لسيلفيا فيديريتشي

قامت بكتبتها / فاطمة الزهراء محمد
في كل عام، في أحد أيام آذار/مارس، تمتلئ الشاشات بالورود وبعبارات الامتنان للأم التي «تتعب ولا تشتكي». تُمدح الأم على ما تفعله، لكن لا أحد يسأل: لماذا يُفترض ألا تشتكي؟ ولماذا يصير التعب فضيلة حين تتحمله امرأة، ومشكلة تستدعي التعويض حين يتحمله غيرها؟ هذا السؤال البسيط هو ما فتحته سيلفيا فيديريتشي في نيويورك، ربيع 1974، حين كتبت نصاً قصيراً صدر عام 1975 عن منشورات Power of Women Collective وFalling Wall Press. كتبته في سياق حملة «أجور مقابل الأعمال المنزلية» التي انطلقت في أوائل السبعينيات مع ماريا روزا دالا كوستا وسلما جيمس وأخريات.
ما الذي تقوله فيديريتشي؟
تبدأ فيديريتشي من تصحيح لسوء فهم شائع: المطالبة بأجر مقابل العمل المنزلي ليست مطالبة بمبلغ من المال، بل «وجهة نظر سياسية». الراتب في ذاته قد لا يغيّر الكثير في حياة امرأة لديها مهنة وزوج «متنوّر». لكن الاعتراف بأن ما تفعله النساء داخل البيوت عمل يغيّر موقعهن من العلاقة كلها.
وتذهب إلى أبعد من ذلك حين تقول إن الرأسمالية لم تكتفِ بالحصول على هذا العمل مجاناً، بل أقنعتنا بأنه حب، وبأنه «طبيعتنا». وهنا ملاحظتها الأهم: العامل في المصنع يُستغل، لكنه يعرف أنه يعمل، أما ربة البيت فتُستغل وهي مقتنعة بأنها تحب. ولهذا فإن الأجر عندها مدخل لرفض الدور الأنثوي نفسه، وليس مكافأة تُصالحنا معه. وتصف هذا الرفض بأنه الخطوة الأولى نحو التوقف عن العمل المنزلي، لا ترسيخاً له.
ما الذي يصمد في هذا التحليل؟
أقوى ما في النص أنه يفكك فكرة «الطبيعي». فعشرون عاماً من التنشئة الاجتماعية، كما تقول، تُستثمر في إقناع الفتاة بأن الزوج والأطفال أفضل ما يمكن أن تتوقعه من الحياة. وحين لا تشعر الفتاة بذلك، يكون العيب فيها هي: «فشلك أنت، ذنبك أنت، وشذوذ في طبيعتك أنت». كثيرات منا سمعن هذه الجملة بصيغ مختلفة، من «البنت لازم تتعلم تخدم نفسها وبيتها» إلى «إنتِ ست ومش بتحبي بيتك؟».
وتصمد كذلك قراءتها لما سمّاه الفكر النسوي لاحقاً العمل العاطفي والذهني. فهي لا تتحدث عن الطبخ والتنظيف فقط، بل عن الابتسامة والحضور العاطفي الدائم والجنس عند الطلب، أي «الخدمات الجسدية والعاطفية والجنسية» التي تُنتج عاملاً قادراً على العودة إلى عمله غداً. وهذا يردّ بالحجة إلى فكرة أن الأسرة مجال خاص خارج الاقتصاد: البيت، بهذا المعنى، مصنع يُنتج القوة التي تُشغّل بقية المصانع.
وتصمد أيضاً ملاحظتها عن العمل المزدوج. فالخروج إلى سوق العمل لم يُنهِ العمل المنزلي، بل أضاف إليه وظيفة ثانية. وقد أثبتت عقود من الأبحاث حول «اليوم المزدوج» أن هذه الملاحظة سبقت زمنها.
وهناك تمييزها بين المطالبة بخدمات اجتماعية والمطالبة بأن تسيطر النساء على الشروط التي تُقدَّم بها هذه الخدمات. فهي ترى أن الفرق كبير بين حضانة نقرر نحن كيف تُدار وتدفع الدولة ثمنها، وحضانة تتحكم الدولة في محتواها وفي أطفالنا. وهذه نقطة تستحق التفكير اليوم، في زمن تُقدَّم فيه «التمكين» و«الرعاية» أحياناً من بوابات لا تُسأل فيها النساء أصلاً.
أين يحتاج النص إلى مساءلة؟
القراءة النسوية الجادة لا تكتفي بالإعجاب، وهناك أربعة مواضع تستدعي الوقوف.
أولاً: أي بيت وأي امرأة؟ يفترض النص امرأة تقيم في بيت زوج، وتخدم رجلاً واحداً، ثم تخدم بالامتداد «العالم الذكوري» كله. لكن أنجيلا ديفيس، في «النساء والعرق والطبقة» (1981)، نبّهت إلى أن النساء السوداوات في الولايات المتحدة عملن خارج بيوتهن منذ زمن العبودية، وأن البيت لم يكن لهن «ملاذاً» ولا «سجناً» بالمعنى ذاته. وهي تدعو إلى تحويل العمل المنزلي إلى صناعة اجتماعية بدل تسعيره، وترى أن تسعيره قد يرسّخ بقاء النساء فيه. وفي منطقتنا تظهر المسألة نفسها بوجه آخر: من يقوم فعلاً بجزء كبير من العمل المنزلي في بيوت الطبقة الوسطى؟ عاملات وعمال المنازل، وكثير منهم لا يشملهم قانون العمل أصلاً، ومنهم مصر. وجملة فيديريتشي الشهيرة عن أن بعض النساء يستطعن «تحمل نفقات الخادمات» تمرّ عليها سريعاً، رغم أن علاقة النساء بعضهن ببعض داخل هذا العمل تستحق تحليلاً أطول.
ثانياً: هل يرسّخ الأجر الدور الذي يريد هدمه؟ هذا هو الاعتراض الأكثر تكراراً: أن أجراً للأعمال المنزلية قد يحوّل «ربة المنزل» إلى وظيفة رسمية دائمة. وتردّ فيديريتشي بأن المطالبة تعني عكس ذلك تماماً، لأنها تجعل العمل مرئياً بما يتيح رفضه. لكن النص لا يجيب بوضوح عن كيفية الانتقال من «الأجر» إلى «الرفض»، ولا عمّن يدفع الأجر، ولا ماذا يحدث في بلد لا تملك فيه الدولة القدرة أو الإرادة على الدفع.
ثالثاً: الجنسانية والعلاقات. تقول فيديريتشي إننا «جميعاً ربات بيوت، وجميعاً بغايا، وجميعاً مثليات». هي تقصد أن الاعتراف بالعبودية شرط لمقاومتها، لكن هذه الصياغة تدمج تجارب مختلفة جداً في هوية واحدة، وتتعامل مع المثلية كأنها موقف مقاوم في العلاقة مع الرجل، لا كحياة عاشتها نساء بذاتها. وهناك أيضاً مسألة لغوية: في الترجمة العربية المتداولة التي بين أيدينا، تبدو بعض عبارات الشعارات الافتتاحية مضطربة المعنى، وبخاصة جملة الغيرية الجنسية والمثلية.
رابعاً: التحليل الطبقي أم تحليل النظام؟ تعيد فيديريتشي كل شيء تقريباً إلى «رأس المال». لكن نسويات مثل هايدي هارتمان اعتبرن أن الأبوية نظام قائم بذاته يتداخل مع الرأسمالية ولا يُختزل فيها. ومن هنا السؤال: هل كان العمل المنزلي غير المدفوع سيختفي لو اختفت الرأسمالية، أم أن الأسرة الأبوية كانت ستعيد إنتاجه؟
قراءة من موقعنا
حين نقرأ هذا النص في المنطقة يبدو أن بعض ما تصفه فيديريتشي مكتوب في القانون لا في العادات فقط. ففي قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة، تقوم النفقة على التزام الزوج بالإنفاق في مقابل «الطاعة» و«القرار في البيت»، ويسقط حق الزوجة فيها عند «النشوز». أي أن البيت، قانوناً، علاقة تبادل: رعاية وخدمة في مقابل المأوى والنفقة. غير أن هذا العقد لا يعترف بالعمل نفسه، ولا يقدّر قيمته، ولا يحمي المرأة حين ينتهي الزواج.
وفي السودان، منذ اندلاع الحرب، حملت النساء عبئاً هائلاً من العمل غير المرئي: تدبير الطعام والمأوى، ورعاية الجرحى والمسنين والأطفال في ظروف النزوح، وإدارة شبكات التضامن المجتمعي. وتتحدث تقارير عديدة عن الدور المحوري للنساء في غرف الطوارئ والمبادرات المحلية. وكل هذا عمل يُسمى «واجباً» و«شهامة»، ولا يظهر في أي حساب. هنا تبدو مقولة فيديريتشي، «يجب أن تُسمّى الأشياء بأسمائها»، أكثر من شعار، وتصبح أداة تحليل لاقتصاد الحرب والنزوح.
خاتمة: السؤال الذي يبقى
تُنهي فيديريتشي نصها بأسئلة لا بإجابات: لماذا تكون هذه هي البدائل الوحيدة المتاحة لنا؟ وما نوع النضال الذي سيأخذنا إلى أبعد من ذلك؟ ولعل هذا أصدق ما في النص. فالأجر المطلوب فيه ليس برنامج عمل جاهزاً، بل استفزاز يكشف أن الحب والعمل والواجب والطبيعة ألفاظ تُستخدم لإخفاء من يعمل لصالح من. وقد نختلف مع الحل الذي تقترحه، لكن من الصعب أن نعود إلى النظر إلى الصحن في المطبخ بالطريقة نفسها بعد قراءتها.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
مفيدة لمن؟ حين تتحول السوشيال ميديا إلى أداة تهديد وتبرير للعنف
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور «الترند» وما يرتبط به من سعي إلى الشهرة وجذب الانتباه، أصبح تصوير المواقف بالهاتف ونشرها عبر المنصات المختلفة أمرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ. وبينما يتفاعل المستخدمون مع هذه المقاطع من خلف الشاشات، يغيب عن كثيرين السياق الكامل لما يشاهدونه، وتتحول وقائع تمس حياة أشخاص حقيقيين […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
كيف تصبح التشهير بامرأة منتجًا رقميًا يُستهلك ويُعاد توزيعه؟ ومن يربح من هذا الاستهلاك؟
«إنتِ خاينة»؛ جملة واحدة كانت كافية لتتحول امرأة من زوجة إلى متهمة، ومن شريكة حياة إلى موضوع لمحاكمة علنية، لا تبدأ بالبحث عن حقيقة ما حدث بقدر ما تنشغل بإصدار الحكم عليها. في الفيديو المتداول، لم يتوقف الجدل عند اتهام الرجل لزوجته بالخيانة، بل امتد إلى ما ينبغي أن يحدث لها بعد ذلك: هل يطلّقها؟ […]
قرائة المزيد