تبدأ رحلة كل فتاة مقبلة على الزواج بحلم بسيط ومشروع: بيت مستقل، حياة هادئة، وشريك يتقاسم معها تفاصيل الأيام بحلوها ومرها داخل مملكتها الخاصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية. لكن هذا الطموح الوردي سرعان ما يتبخر ليتحول إلى سراب بعيد المنال بمجرد تخطي عتبة "عش الزوجية". في لمحة عين، تجد الفتاة نفسها أمام واقع يفرض عليها تصنيفاً إجبارياً: أن تكون "خادمة" أولاً، ثم زوجة ثانياً.
هذا التحول غير المعلن يتم تمريره مجتمعياً وكأنه مقايضة ضمنية مقابل مسكنها وطعامها، ليصبح عقد الزواج في نظر البعض بمثابة تفويض مسبق لتسخير المرأة. ورغم أن الفتاة توافق على الارتباط بدافع الحب والاستقرار، إلا أنها غالباً ما تجد نفسها متورطة في التزامات وتوابع لم تدرك أبعادها، خاصة في ظل صعوبة وضع حدود وقواعد صارمة منذ اللحظات الأولى للزواج.
تزييف الحقوق: ما بين كرم الأخلاق والفرض القسري
المشهد المتكرر داخل العديد من البيوت يُظهر الزوجة وهي محاصرة بمسؤولية خدمة عائلة الزوج بأكملها؛ من أم، وأب، وإخوة، وأقارب. تنتقل المرأة من بيت أهلها لتجد نفسها مسؤولة عن رعاية مجموعة أشخاص لا يلزمها بهم قانون أو شرع؛ إذ يجمع علماء الدين على أن خدمة أهل الزوج ليست فرضاً واجباً، بل هي محض تطوع ينبع من كرم أخلاق الزوجة وحسن معشرها إن أرادت.
ومع ذلك، يتحول التطوع إلى شرط قسري يفرضه الكثير من الرجال حتى قبل إتمام الزفاف. والمقصود هنا ليس المساعدة العابرة أو المودة المتبادلة، بل القيام بالأعمال الشاقة كافة. والمفارقة الصادمة تكمن في وجود شقيقات غير متزوجات للزوج يقمن في المنزل نفسه، ومع ذلك، بمجرد دخول زوجة الابن، تُرفع عنهن المسؤولية لتُلقى كاملة على عاتق الوافدة الجديدة. وفي حال اعترضت الزوجة أو رفضت هذا الوضع، فإنها توضع فوراً بين خيارين أحلاهما مر: الطاعة المطلقة أو التهديد بالطلاق.
ابتزاز "بنت الأصول" وضريبة التقصير الإجباري
يتحصن الزوج عادة خلف شماعة "أمي وأهلي" لتبرير استغلال زوجته وتحويلها إلى آلة تعمل دون توقف في تحضير الطعام، الغسيل، التنظيف، رعاية كبار السن، واستقبال الضيوف. هذه الحلقة المفرغة من العمل الشاق تستهلك طاقة المرأة ووقتها، مما يدفعها رغماً عنها للتقصير في إدارة شؤونها الخاصة والاهتمام بأطفالها. وهنا تقع في فخ الملامة المزدوجة؛ إذ يُعاد توبيخها على هذا التقصير الناجم أساساً عن استنزاف طاقتها في خدمة الآخرين.
ولإحكام السيطرة، يمارس المجتمع ابتزازاً نفسياً مبنياً على مصطلحات موروثة. فإذا رفضت المرأة الانصياع، تُجرد فوراً من صفة "بنت الأصول"، ويُربط حبها لزوجها بمدى خضوعها لأهله. يمتد هذا الفكر ليشمل حالات المرض؛ فبدلاً من إحضار رعاية طبية متخصصة أو قيام الأبناء والبنات بواجبهم الطبيعي تجاه والديهم، تُجبر الزوجة على لعب دور الممرضة والخادمة.
والأشد إيلاماً في هذه المنظومة هو غياب الدعم حتى من أهل الزوجة أنفسهم. ففي كثير من الأحيان، إذا اشتكت المرأة أو رفضت الخدمة، تنهال عليها الإهانات والاتهامات بـ"قلة الأصل وسوء التربية" من قِبل عائلتها، مدفوعين بالعرف السائد الذي يرى أن المرأة بمجرد خروجها من بيت أبيها تصبح ملكاً لعائلة زوجها.
من العنف اللفظي إلى الجسدي: صرخة رفق بالزوجات
لا يتوقف الأمر عند حدود الضغط النفسي والعاطفي؛ بل يصل في حالات عديدة إلى العنف الجسدي والضرب المباشر من قِبل أهل الزوج كرد فعل على رفض أوامرهم، وكل ذلك يحدث أحياناً بمباركة الزوج وموافقته.
إن خدمة أهل الزوج لا يجب أن تُنتزع بالضغط والإكراه، ولا يجوز تحميل المرأة فوق ما تطيق. يجب أن يتغير هذا المنظور المجتمعي القائم على التملك والاستقواء. نتمنى من كل أم زوج أن تنظر إلى زوجة ابنها بعين المودة والرحمة، كأنها ابنتها تماماً، بدلاً من النظر إليها كشخص تم التكرم عليه بالزواج. رفقاً بالزوجات، وحفاظاً على كرامة النساء داخل بيوتهن.