من منا لم يكن حلمها الالتحاق بالجامعة لتحقيق آمالها، والتخرج لبناء كيانها المستقل وإثبات ذاتها في سوق العمل؟ هذا الطموح المشهود للفتيات يصطدم فور تحققه بواقع مظلم يبتعد تماماً عن الصورة الوردية التي رسمتها المخيلة، واقع تفرضه أزمة منسية تؤرق مضاجع الطالبات وأسرهن، وهي "معاناة السكن الاغترابي"
تواجه كل طالبة مغتربة تخرج من بيتها معادلة مجحفة يكاد يكون تحقيق التوازن فيها مستحيلاً على أرض الواقع؛ فإما الحصول على سكن مريح وآمن مقابل إيجار مادي باهظ يفوق قدرة أسرتها، أو القبول بسكن يفتقر لأدنى مقومات الآدمية مقابل إيجار يكاد يكون معقولاً
مربع جشع الملاك: غياب الأمان والاستغلال المادي
الأمر لا يتوقف عند حدود حجز "سرير" داخل غرفة تحيط بها أربعة جدران تقضي الفتاة فيها جلّ يومها. القضية تتجاوز ذلك إلى الحق في الأمان الشخصي والبيئة الصحية والمجتمعية الآمنة، التي تضمن للفتاة الخروج والدخول لقضاء مستلزماتها والذهاب لجامعتها دون خوف، مع توفر الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والإنترنت والأجهزة المنزلية الصالحة للاستخدام. لكن الواقع يشير إلى غياب شبه كامل لهذه الحقوق أمام جشع وطمع ملاك العقارات واستغلالهم لحاجة الطالبات.
في محافظة قنا، على سبيل المثال، تواجه الطالبات شروطاً تعجيزية؛ إذ لا يكتفي الملاك بفرض أسعار إيجار مرتفعة، بل يلزمون الفتيات بدفع "تأمين" يعادل إيجار شهرين بحجة ضمان المحتويات، بالإضافة إلى طلب إيجار شهر مقدم. هذه المبالغ المتراكمة تقع كالصاعقة على كاهل عائلات متوسطة الدخل، وقد تضطر الأسرة أحياناً لاقتطاع جزء كبير من دخلها المخصص لمعيشتها أو لتعليم أبناء آخرين، لاسيما إذا كان هناك أكثر من ابن يدرس في الجامعة، مما يجعل مصاريف السكن وحدها تتجاوز دخل الأسرة كاملاً.
من الدفء الأسري إلى مواجهة "موت الآدمية"
تجد الفتاة المغتربة نفسها فجأة، وبعد أن كانت محاطة بدفء الحنان الأسري ورعايته، متحملة للمسؤولية الكاملة عن أدق تفاصيل حياتها اليومية؛ من مأكل ومشرب وغسيل مالبس وتنظيف، إلى جانب الإدارة المالية لمصروفها الشخصي لضمان استمراره.
وعند غياب القدرة المادية على دفع الإيجارات المرتفعة، تضطر الفتيات لتخفيف الأعباء باللجوء إلى خيارات بديلة تسلب منهن آدميتهن. من خلال رصد شهادات بعض الفتيات، تبين أنهن يواجهن مشاكل مرعبة؛ كسكن غير آمن، أو غرف بعيدة ومقنعة تزيد من تكاليف المواصلات اليومية، أو التكدس في غرف ضيقة بأعداد كبيرة. والأدهى من ذلك، هو اضطرار بعضهن للعيش في بيئات غير مؤهلة صحياً تملؤها الفئران والحشرات. وفي حال تلف أي جهاز داخل الشقة، يفرض المالك على الطالبات تكاليف التصليح أو يهددهن بخصم قيمته من مبلع التأمين عند المغادرة، تزامناً مع انعدام الرقابة والرعاية الصحية الأولية في هذه الأماكن.
المدن الجامعية: بديل مشروط وخيارات ضيقة
حين تستبعد الطالبات خيار السكن الخارجي المرير، تلوح المدن الجامعية كبديل أخير، لكنه بديل محفوف بالعقبات البيروقراطية. تكمن المشكلة الأولى في محدودية الطاقة الاستيعابية للمدن التي لا تستوعب الأعداد الغفيرة المتقدمة إليها. كما تبرز أزمة المواعيد الصارمة التي لا تتناسب مع طبيعة الكليات العملية التي تمتد محاضراتها لفترات مسائية، فضلاً عن الشروط التعجيزية المتعلقة بالتقدير الدراسي الأكاديمي، أو اشتراط بعض الإدارات والملاك أن تكون الطالبة مقيدة بكليات القمة فقط.
داخل هذه المدن، تستمر المعاناة والشكاوى من ضيق الغرف وصعوبة المذاكرة، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وغياب وسائل التهوية والمراوح، ناهيك عن تدهور مستويات النظافة في دورات المياه الشائعة، وشكاوى التغذية المرتبطة بتدني جودة طهي الطعام والتي وصلت في بعض الأحيان إلى حالات تسمم. وتزداد الصورة قتامة في محافظة قنا لغياب مدينة جامعية مخصصة لطالبات جامعة الأزهر، ما يتركهن بلا ملاذ مؤسسي يحميهن.
عندما يغتال السكن حلم التعليم: صرخة رفق بالأهالي
لماذا يُمارس كل هذا الضغط النفسي والعصبي والمادي على الفتيات؟ ألا يكفي عبء الغربة والبعد عن الأهل والاشتياق الذي يثقل كاهلهن؟ إن تحويل السكن الجامعي إلى "شبح" اقتصادي واجتماعي يطارد الفتيات يترتب عليه ثمن باهظ تدفعه المرأة من مستقبلها؛ إذ تضطر الكثير من الأسر، أمام هذه الكلفة المادية والمعنوية غير المحتملة، إلى حرمان بناتها من الالتحاق بالتعليم الجامعي وإجبارهن على التخلي عن أحلامهن
إننا لا نطالب هنا برفاهيات، بل نتحدث عن الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية لطالبات العلم، إن توفير سكن آمن، آدمي، وبأسعار معقولة تحت رقابة صارمة هو واجب مجتمعي ومؤسسي لحماية الفتيات وتمكينهما من استكمال مسيرتهن التعليمية بكرامة. رفقاً بالأهالي، ورفقاً بعقول وطموحات طالباتنا.