احنا هنا

١٥ أبريل ٢٠٢٦

اكتئاب ما بعد الولادة: اضطراب صامت يهدد صحة الأم والطفل

قامت بكتبتها / محمد بركات
بينما كانت زغاريد المهنئين تملأ البيت احتفالاً بمولودها الأول، كانت منة (23 عاماً) تغرق في صمتها، تحاول انتزاع ابتسامة باهتة لتداري خلفها انهياراً داخلياً لا يراه أحد. 'كنت أُطالب بالضحك وأنا منهارة'، هكذا تلخص منة تجربتها مع اكتئاب ما بعد الولادة، ذلك الضيف الثقيل الذي حوّل فرحة العمر إلى سجن من القلق والحزن غير المبرر

تضيف منة إنها عندما حاولت التحدث مع أهلها وزوجها، جاء الرد متشابهًا: «أنتِ بتدلعي» أو «علشان لسه صغيرة وأول مولود ليكِ». وتشير إلى أن أسرتها، بحكم بساطتها، لم تكن على دراية بمفهوم اكتئاب ما بعد الولادة، بل إنها هي نفسها لم تكن تعرف هذا المصطلح من قبل.

وتكمن صعوبة التجربة – بحسب منه – في إنها كانت تُطالَب بالابتسام والضحك أمام الزائرين المهنئين بالمولود، رغم ما كانت تعانيه داخليًا من حزن واكتئاب شديد. كما واجهت تحديًا آخر يتمثل في نظرة زوجها التي فسّرت حالتها على أنها كسل أو استغلال لفترة ما بعد الولادة، سواء في عدم القيام بالمهام المنزلية أو في العلاقة الزوجية، دون إدراك لما تمر به نفسيًا.

وتتابع: «ازدادت الخلافات الزوجية بسبب اتهامي بالتقصير والإهمال، دون أي اعتبار لحالتي النفسية»  تغيّر مسار التجربة عندما زارتها إحدى صديقاتها المقربات، التي كانت قد مرت بتجربة مشابهة وشُخّصت باكتئاب ما بعد الولادة، فأكدت لها أن هذه الحالة تصيب نسبة كبيرة من الأمهات، خاصة من لديهن تاريخ سابق مع الاكتئاب وبعد معاناة، وافق زوجها على بدء جلسات علاج نفسي والمتابعة المنتظمة مع طبيب مختص، إلى أن تأكدت أن ما تمر به حالة مرضية حقيقية وليست مجرد حزن عابر. وتختتم منة حديثها قائلة:«اليوم أمارس حياتي بشكل طبيعي بعد التعافي من اكتئاب ما بعد الولادة» 

خلفية عامة: التغيرات النفسية بعد الولادة تمر المرأة بعد الولادة بمرحلة انتقالية حساسة، لا تقتصر على التغيرات الجسدية فقط، بل تشمل تغيرات نفسية عميقة. وتعود هذه التغيرات إلى عدة عوامل، أبرزها:تحمّل مسؤوليات جديدة، خاصة لدى الأمهات لأول مرة ضغوط اجتماعية ونفسية متزايدة اضطرابات هرمونية حادة بعد الولادة

وتُعد هذه المرحلة من أكثر الفترات عرضة لاضطرابات الصحة النفسية. فبينما تعاني بعض النساء من حالة حزن خفيف ومؤقت تُعرف بـ «كآبة ما بعد الولادة» ، قد تتطور الحالة لدى أخريات إلى اكتئاب ما بعد الولادة، وهو اضطراب نفسي أكثر خطورة ويتطلب تدخل شخص متخصص، سواء بالعلاج النفسي أو الدوائي وفقًا لشدة الحالة 

ويُعرَّف اكتئاب ما بعد الولادة بأنه اضطراب مزاجي شديد يتمثل في شعور عميق بالحزن، القلق الشديد، الإرهاق، فقدان الاهتمام، صعوبة الارتباط بالطفل، وتقلبات مزاجية حادة، وقد يستمر لأسابيع أو أشهر، ويؤثر سلبًا على الأم والطفل في حال عدم علاجه.

آراء المختصين: تشخيص علمي وتحذير من الإهمال في حديثها، تؤكد الأستاذة فوزية شعراوي، أخصائية نفسية وباحثة ماجستير في علم النفس الإكلينيكي، أن اكتئاب ما بعد الولادة ناتج عن تداخل عوامل هرمونية ونفسية واجتماعية.

أسباب اكتئاب ما بعد الولادة

تشير فوزية شعراوي إلى أن الانخفاض المفاجئ في هرموني الإستروجين والبروجسترون بعد الولادة يؤثر بشكل مباشر على المزاج انخفاض هرمونات الغدة الدرقية قد يؤدي إلى الإرهاق والاكتئاب الضغوط النفسية، قلة النوم، القلق بشأن رعاية الطفل، ونقص الدعم من الشريك وجود تاريخ شخصي أو عائلي للاكتئاب، أو التعرض لصدمات أثناء الحمل.

الفئات الأكثر عرضة للإصابة الأمهات ذوات التاريخ المرضي النفسي و الأمهات لأول مرة و  الأمهات تحت سن 25 عامًا و من يفتقرن إلى الدعم الأسري و  الأمهات اللاتي يواجهن صعوبات صحية بعد الولادة

تحذر فوزية شعراوي من أن إهمال علاج اكتئاب ما بعد الولادة قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى خطيرة، من بينها اضطراب العلاقة بين الأم والطفل، وانعكاسات سلبية على النمو العاطفي والاجتماعي والمعرفي للطفل، إلى جانب زيادة خطر الانتحار لدى الأم وتدهور قدرتها على ممارسة أنشطة الحياة اليومية. ويتم تشخيص هذا الاضطراب من خلال تقييم الأعراض النفسية والسلوكية والفسيولوجية، واستخدام مقاييس نفسية معتمدة، إلى جانب دراسة الحالة الاجتماعية والنفسية بشكل متكامل، حيث يمكن علاج الحالات البسيطة والمتوسطة عبر العلاج النفسي فقط، بينما تتطلب الحالات الشديدة تدخلاً دوائياً تحت إشراف طبي متخصص. كما تشمل سبل الوقاية والدعم النفسي التثقيف خلال الحمل وبعد الولادة، والتدخل المبكر عند ظهور الأعراض، وتعلّم مهارات التعامل مع الضغوط، مع الحرص على النوم الكافي والتغذية الصحية والاهتمام بالنفس، علماً بأن الأعراض تبدأ غالباً خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة وقد تستمر حتى عام كامل.


لا تبدو قصة منة استثناءً بقدر ما تكشف عن واقع صامت تعيشه آلاف النساء خلف أبواب مغلقة، حيث تُختزل معاناتهن في كلمات عابرة مثل “دلع” أو “مرحلة وهتعدي”، بينما هي في الحقيقة صراع نفسي معقّد يحتاج إلى وعي واحتواء وتدخل حقيقي إن اكتئاب ما بعد الولادة ليس ضعفًا ولا تقصيرًا، بل حالة صحية تستدعي الاعتراف بها والتعامل معها بجدية، بدءًا من الأسرة التي تُعد خط الدفاع الأول، وصولًا إلى المنظومة الصحية والإعلامية التي يقع على عاتقها كسر الوصم ونشر المعرفة. فبين زغاريد الفرح التي تملأ البيوت، قد تختبئ حكايات ألم لا تُروى، وما لم نُحسن الاستماع والتصديق، سنظل نُجبر أمهات على الابتسام وهنّ ينهارن في صمت. التعافي ممكن، كما تثبت تجربة منة، لكنه يبدأ فقط حين نمنح النساء الحق في أن يُسمعن، ويُفهمن، ويُدعمن دون حكم أو إنكار.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
لا أحد آمن خلف الشاشة: العنف الرقمي ضد الفتيات
لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للرفاهية أو تبادل المعلومات، بل صار واقعاً موازياً نعيش تفاصيله بكل ما يحمله من فرص وتهديدات وبينما تتسارع التكنولوجيا نحو آفاق مذهلة، تجد النساء والفتيات أنفسهن في مواجهة وحش رقمي لا يرحم؛ حيث يتحول الإعجاب  و المشاركة أحياناً إلى أدوات لانتهاك الخصوصية وتدمير الحياة في هذا التقرير، نفتح ملف المخاطر […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
أجساد تحت الضغط: كيف صنعت المثالية الزائفة سوقًا لتجميل الجسد الأنثوي في مصر؟
في عالم يتزايد فيه الصور مثالية للجسد والجمال تروّج لها وسائل الإعلام والمؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، تتعرض النساء لضغوط متزايدة للوصول إلى معايير جمال غير واقعية لا تقتصر على شكل الوجه أو الجسم فحسب، بل تمتد لتشمل أعضاؤها التناسلية، مما يدفع الكثير من النساء إلى اللجوء لعمليات تجميلية ــ بعضها محفوف بالمخاطر ــ تحت […]
قرائة المزيد