احنا هنا

١٦ مايو ٢٠٢٦

دور المرأة في بناء المجتمع: حين تُصنع الأوطان من داخلها

قامت بكتبتها / بسملة النقيب

لم يكن تعليم الفتيات يومًا قضية فردية تخص النساء وحدهن، بل كان دائمًا قضية مجتمع كامل يحدد شكل مستقبله، ومستوى عدالته، وقدرته على التقدم فحين تُمنع فتاة من الذهاب إلى المدرسة، أو تُجبر على ترك التعليم مبكرًا، لا تخسر هي وحدها حقًا أساسيًا، بل يخسر المجتمع طاقة كاملة كان يمكن أن تُساهم في بنائه


ورغم أن التعليم يُقدَّم دائمًا باعتباره “حقًا للجميع”، فإن الواقع يقول إن الوصول إليه ليس متساويًا فما تزال آلاف الفتيات يواجهن عوائق تبدأ من الفقر ولا تنتهي عند القيود الاجتماعية والعنف والتمييز كثيرات يُحرمن من استكمال تعليمهن بسبب الزواج المبكر، أو لأن الأسرة ترى أن تعليم الذكور“أكثر جدوى”، أو بسبب غياب الأمان في الطرق والمدارس، أو نتيجة أوضاع اقتصادية تدفع الأسر إلى التضحية بتعليم البنات أولًا 


هذه المعيقات لا تُقصي الفتيات من الفصول الدراسية فقط، بل تُقصيهن لاحقًا من سوق العمل، ومن دوائر اتخاذ القرار، ومن القدرة على بناء حياة مستقلة وآمنة فالتعليم ليس مجرد شهادة، بل أداة تمنح النساء القدرة على الفهم، والاختيار، والمشاركة، والدفاع عن حقوقهن 


وحين نتحدث عن تعليم الفتيات، فنحن لا نتحدث عن “مساعدة” تُمنح لهن، بل عن استثمار حقيقي في المجتمع كله 


الفتاة المتعلمة لا تغيّر حياتها وحدها، بل تغيّر شكل الأسرة التي تعيش داخلها، وطبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه التعليم يمنح النساء قدرة أكبر على المشاركة السياسية، وعلى الوصول إلى مواقع القيادة، وعلى كسر دوائر العنف والتبعية الاقتصادية التي تُفرض عليهن منذ سنوات طويلة.


ورغم ذلك، لا يزال التعامل مع تعليم الفتيات في كثير من المجتمعات باعتباره قضية ثانوية أو مؤجلة، وكأن مستقبل النساء يمكن التضحية به بسهولة وفي الحقيقة، فإن أي مجتمع يضع العراقيل أمام تعليم النساء، إنما يضع العراقيل أمام تقدمه هو نفسه ، لأن تعطيل تعليم الفتيات يعني تعطيل نصف القدرة البشرية القادرة على الإنتاج والتغيير


الخطاب النسوي هنا لا يطالب بامتيازات خاصة للنساء، بل يطالب بالعدالة؛ بحق الفتيات في الوصول إلى التعليم دون خوف أو تمييز أو إقصاء فالمجتمع العادل ليس هو الذي يسمح للنساء بالتعليم باعتباره “منحة”، بل الذي يعترف بأن هذا الحق أساسي، وأن حرمان النساء منه ينعكس على الجميع 


إن بناء المجتمعات لا يبدأ من الخطابات الكبرى، بل من الفصل الدراسي، ومن الطفلة التي تُمنح فرصة حقيقية للتعلم والحلم لذلك، فإن الدفاع عن تعليم الفتيات ليس دفاعًا عن النساء فقط، بل دفاع عن مستقبل أكثر عدالة وقدرة على النهوض 



التعليم والفقر… حين تُدفع الفتيات خارج الفصول الدراسية


يُعد التحدي الاقتصادي من أكثر الأسباب التي تدفع الفتيات إلى ترك التعليم أو عدم الوصول إليه من الأساس. ففي ظل ارتفاع تكاليف الدراسة والمواصلات والدروس، تصبح الفتاة غالبًا أول من تُضحّى الأسرة بتعليمها لصالح الذكور كما تُجبر كثير من الفتيات على العمل المبكر أو تحمل أعباء الرعاية المنزلية بدلًا من استكمال الدراسة  هذا الواقع لا يعكس أزمة فردية تخص الأسر الفقيرة فقط، بل يكشف كيف يتحول الفقر إلى أداة لإقصاء النساء من فرص التعليم والاستقلال والحياة الكريمة ويصل بها في نهاية المطاف الى الزواج مبكرا 



حرمان الفتيات من التعليم… خسارة اقتصادية للمجتمع


حين تُحرم الفتيات من التعليم، لا تخسر النساء وحدهن فرص العمل والدخل، بل يخسر المجتمع قوة إنتاجية كاملة فالمرأة المتعلمة أكثر قدرة على المشاركة في سوق العمل، وخلق مصادر دخل مستقلة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية كما أن انخفاض مستويات تعليم النساء يرتبط بارتفاع معدلات الفقر والبطالة والاعتماد الاقتصادي. لذلك، فإن التعامل مع تعليم الفتيات باعتباره قضية هامشية يُعد خسارة مباشرة لطاقات بشرية كان يمكن أن تُساهم في بناء اقتصاد أكثر استقرارًا وعدالة.



تعليم الفتيات استثمار في مستقبل الدولة


لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون ضمان وصول النساء إلى التعليم بشكل عادل وآمن فالدول التي تستثمر في تعليم الفتيات تحقق معدلات أعلى من النمو، وتتمتع بمشاركة مجتمعية وسياسية أوسع، ومستويات أفضل من الصحة والاستقرار الاجتماعي. التعليم لا يمنح الفتيات المعرفة فقط، بل يمنح المجتمع فرصة لإنتاج أجيال أكثر وعيًا وقدرة على التغيير لذلك، فإن دعم تعليم النساء ليس فعلًا خيريًا أو مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة لبناء دولة قادرة على مواجهة الفقر والتهميش وتحقيق العدالة الاجتماعية


في النهاية، حين تتعلم فتاة، لا يتغير مصير فرد واحد فقط، بل تتغير احتمالات مجتمع كامل


مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
إعادة الاعتبار لمفهوم مصلحة الطفل الفضلى
في سياق النزاعات الأسرية المعاصرة، برزت ظاهرة لغوية وقانونية مقلقة، تتمثل في إعادة استخدام المصطلحات الحقوقية خارج سياقها الأصلي، وتطويعها لتبرير ممارسات تُقوّض جوهر الحماية التي صيغت من أجلها  يأتي في مقدمة هذه المصطلحات مفهوم “مصلحة الطفل الفضلى”، الذي يتحول أحيانًا—في بعض الخطابات الرقمية—من مبدأ حمائي إلى أداة تبرير لانتهاك حقوق الطفل “مصلحة الطفل الفضلى”: […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
نفقة لا تكفي الحياة: كيف تُعاقَب النساء اقتصادياً بعد الطلاق؟
تعد قضية العنف الاقتصادي ضد المرأة من أكثر القضايا شائكةً وخطورة في مجتمعنا، إذ تمثل وجهاً خفياً ومدمراً للعنف القائم على النوع الاجتماعي نحن هنا أمام إشكالية ذات شقين متلازمين: شق قانوني وآخر مجتمعي. ورغم أن القوانين في ظاهرها تسعى لإنصاف المرأة ومنحها حقوقها، إلا أن التساؤل الجوهري يبقى: أين تكمن الفجوة؟ هل هي في […]
قرائة المزيد