بخطوات واثقة.. تسير نور يحيى بين أروقة "القصر الكبير" خلال عرض "شانيل"، ضمن فعاليات أسبوع الموضة العالمي في باريس 2026، تحاوطها كاميرات الصحف العالمية المُشيدة بنجاحها كأول عارضة أزياء سودانية تشارك مع الدار العالمية، إلا أن تميزها لم يرحمها من الانتهاكات الرقمية على يد العديد من متابعيها العرب على منصات التواصل الاجتماعي، ليس فقط لأنها شخصية عامة، ولكنه هجوم يتداخل فيه النوع الاجتماعي مع لون البشرة والجنسية والانتماء الجغرافي، ما يؤدي إلى تعرضها لأشكال مركبة من العنف الرقمي تجمع بين التمييز ضد النساء والعنصرية.
نجاح "نور" عالميًا كان عاملاً رئيسياً في استهدافها، فالهجوم لم يكن موجهاً فقط لشخصها، بل لتواجدها في مساحة عامة ومرئية على نطاق واسع، في نمط متكرر ضد عارضات الأزياء العربيات من ذوات البشرة السمراء اللاتي يواجهن أشكالًا مختلفة من الانتهاكات الرقمية.
ماهية الانتهاكات الرقمية
والانتهاكات الرقمية هي استخدام التكنولوجيا لارتكاب أفعال تلحق ضررًا جسديًا أو نفسيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، وتنتهك حقوق الإنسان، من خلال استخدام الأدوات الرقمية للملاحقة والمضايقة وإساءة معاملة النساء والفتيات، ويشمل ذلك: التحرش والتنمر في الفضاء الرقمي، لذلك يعرف أيضا بـ"العنف المُسهل بالتكنولوجيا" أو انتهاكات حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي، بحسب منظمة الأمم المتحدة للمرأة UN WOMAN
وتتباين طبيعة الهجوم الرقمي وحِدته على النساء عامةً وعارضات الأزياء السمراوات خاصةً، نتيجة اختلاف عدة عوامل مرتبطة بهوياتهن وخلفياتهن وأعمارهن وموقعهن الجغرافي، والوضع الاجتماعي والاقتصادي لهن ومدى توافر الدعم الأسري والمجتمعي
ينتج عن العنف الرقمي آثارا لا تنفصل عن بعضها، ولكنها تتداخل وتتراكم. فالمرأة قد تتعرض لأشكال متعددة من الأذى النفسي والاجتماعي والمهني والاقتصادي في آن واحد
للتعرف على تفاصيل الانتهاكات الرقمية ضد عارضات الأزياء العربيات صاحبات البشرة السمراء، أجرينا رصد وتحليل لعينة عشوائية من التعليقات والمنشورات على الحسابات الرسمية على فيس بوك وإنستجرام وإكس، لـ10 عارضات أزياء سمراوات من مصر والسودان والسعودية والمغرب والصومال وهن: مريم عبدالله، وهاجر محمد الشهيرة بـ” أوجا ”، ونياكم جاتويش، ونور يحيى، ونيكي برينكز وأدهار، وشهد سلمان، وعبير سندر، وهدى فونو، وروضة محمد.
تلك العارضات ال10 تتفاوت درجات شهرتهن ومقر إقامتهن الحالية بين العواصم العربية مثل القاهرة والرياض والدار البيضاء، والدول الغربية كالنرويج والولايات المتحدة وبريطانيا، وذلك وفقاً للبيانات التعريفية والمهنية الموثقة على حساباتهن الرسمية المشمولة بالرصد فيس بوك، إنستجرام، وإكس
تفاصيل الانتهاكات الرقمية ضد عارضات الأزياء السمراوات
احتل التنمر المرتبة الأولى في الانتهاكات الرقمية بنسبة 66% وفقًا لتحليل ما يقارب من 202 تعليق ومنشور ضمن عينة البحث، ركز معظمها على السخرية من ملامحهن ولون بشرتهن، رغم أن 40% من الدول عينة البحث يمتاز معظم سكانها بالبشرة السمراء
وبلغ معدل التحرش 13%، في تقارب شديد مع التنميط في التعليقات الإلكترونية الذي وصل إلى 11%، والذي يعني تكوين صورة ذهنية أو حكم مسبق عن فئة معينة، وإلصاق صفات أو سلوكيات محددة بجميع أفرادها، كأن جميع السيدات لا يصلحن إلا للأعمال المنزلية والطهي، أو أن جميع العاملات في مجال عرض الأزياء سيئات السمعة، في تشوية واضح لتلك الفئة
فيما وصل عدد المنشورات والتعليقات الداعية لانتهاكات جسدية من خلال الفضاء الرقمي إلى 10%، وانقسمت نسبة "التعليقات السامة" على الفضاء الرقمي بين 46% ذكور و44% إناث، و 10% تعليقات من حسابات وهمية
مؤشرات عالمية للعنف الرقمي ضد المرأة السمراء
تؤكد الإحصائيات العالمية تصاعد وتيرة العنف الإلكتروني القائم على النوع الاجتماعي ضد صاحبات البشرة الداكنة، فبحسب منظمة العفو الدولية فإن النساء ذوات البشرة السمراء أكثر عرضة بنسبة 84% للتعليقات المسيئة مقارنةً بالنساء ذوات البشرة البيضاء، وأن واحدة من كل عشر منشورات تتضمن إساءة ضد النساء السمراوات مقابل واحد من كل 15 منشور عن النساء ذوات البشرة البيضاء
وأكدت دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث الأمريكي، أن 59% من مستخدمي الإنترنت من ذوي البشرة السمراء تعرضوا لشكل من أشكال التحرش، خاصةً النساء
بالرغم من أهمية الإحصائيات، إلا أنها لا تعكس بالضرورة الفروق الكبيرة بين تجارب النساء المختلفة. فالعنف الرقمي لا يؤثر على جميع النساء بالطريقة ذاتها أو بالدرجة نفسها، بل قد تتضاعف مخاطره وآثاره لدى بعض الفئات نتيجة تداخل عوامل متعددة مثل الجنسية، أو وضع اللجوء أو الهجرة، أو الدين، أو الموقع الجغرافي، أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو غيرها من العوامل. ولذا قد تواجه بعض النساء أشكالاً مركبة من العنف تجمع بين التمييز القائم على النوع الاجتماعي والعنصرية أو التمييز المرتبط بالأصل أو الهوية، وهو ما قد لا تظهره الإحصاءات العامة بشكل كامل
ما ظهر من الإحصائيات، يبرهن على تحول الفضاء الرقمي لجبهة جديدة للعنف ضد النساء والفتيات في الوطن العربي، فما يقارب من نصف النساء المستخدمات للإنترنت في الدول العربية لا يشعرن بالأمان، وفقا لتصريح سابق للدكتور معز دريد، المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية
وأكدت "الأمم المتحدة للمرأة" في بيان لها، أن واحدة تقريبًا من كل خمس نساء تعرضن للعنف عبر الإنترنت حذفت حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي أو تعطيله نتيجة التعرض للإذاء الرقمي، فيما اختارت أخريات تقليص حضورهن الرقمي أو ممارسة رقابة صارمة على ما يتم نشره، وهو ما يحدّ من حضورهن وصوتهن في الفضاء الرقمي وحقهن في التعبير والوصول إلى المعلومات
الأبعاد النفسية للانتهاكات الرقمية
لا يتوقف تأثير العنف في العالم الافتراضي بل يمتدّ لأرض الواقع، مسببًا مستويات عالية من الخوف والقلق والضغط النفسي، حيث أوضحت 35% من النساء اللواتي تعرضن للعنف الرقمي أنهن شعرن بالحزن أو الاكتئاب، فيما ذكر 12% منهن أن راودتهن أفكار انتحارية، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للمرأة
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الانتهاكات الرقمية خاصةً التنمر، تسبب اضطرابات النفسية: كالقلق الشديد، وفقدان الثقة بالنفس
تختلف الآثار النفسية للعنف الرقمي باختلاف السياق الذي تعيشه كل امرأة، ولا يعني ذلك بالضرورة أن معاناة فئة أشد من أخرى، بل تتغير طبيعة الضرر تبعًا للظروف المحيطة. وبالنسبة للشخصيات العامة، كعارضات الأزياء، قد يؤدي الحضور المستمر في الفضاء الرقمي إلى هجمات متواصلة ومتكررة، في ظل شعور بعض المستخدمين بأن لهم الحق الدائم في التعليق أو إصدار الأحكام، وهو ما يفاقم الضغوط النفسية ويجعل التعافي أكثر صعوبة
موقف شركات التكنولوجيا من الانتهاكات الرقمية
طبقًا لعينة البحث لرصد الانتهاكات الرقمية ضد عارضات الأزياء السمراوات في الوطن العربي، فإن موقعي فيس بوك وإنستجرام التابعين لشركة "ميتا" وقع بهما انتهاكات رقمية بنسبة 92% مقابل 8% على منصة "إكس" التي لم تشهد تفاعلًا عربيًا على حسابات عارضات الأزياء مقارنة بمنصتي "ميتا"
وبحسب البحث والتحليل، اعتمد المنتهكين والمنتهكات على اللغة العربية بنسبة 99% مقابل 1% لصالح اللغة الإنجليزية
وعلى الرغم من سعي شركات التكنولوجيا خاصةً "ميتا" و"إكس جروب" لمحاربة الانتهاكات الرقمية، إلا أنه بعض تلك السياسات تسببت في ارتفاع وتيرة العنف ضد النساء، منها إعلان الرئيس التنفيذي لـ"ميتا" مارك زوكربيرغ عن تقليل الإشراف على بعض المواضيع لضمان "حرية التعبير"، ما تسبب في زيادة مستمرة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40% في الخطاب السام الموجه تحديداً ضد النساء على منصاتها، وفقًا لدراسة أجراها المرصد الأوروبي للكراهية عبر الإنترنت (EOOH) في 2025.
فيما اتخذت "إكس" عدة إجراءات لمحاربة الانتهاكات الإلكترونية، إلا أن العديد من المستخدمين وصفوا سياستهم بأنها "مجرد رد فعل"، لإنها لا تتضمن "سياسة استباقية" للحماية من تلك الجرائم الإلكترونية
وتواجه الشركتين اشكالية هامة، ممثلة في فهم اللغة العربية بتنوع لهجاتها، ليتضح أن دقة أنظمة الرصد الآلي على منصات التواصل الاجتماعي للمنشورات باللغة العربية -خصوصًا اللهجات المختلفة- أقل بنسبة 15% إلى 20% مقارنة باللغة الإنجليزية، إلا أن الشركتين تعملان حاليًا على فهم أعمق للغة العربية في ظل توغل الذكاء الاصطناعي، وفقا لبيان صادر عن منظمة اليونسكو
لا تنعكس محدودية "الفهم الخوارزمي" بالتساوي على النساء؛ إذ تواجه بعضهن ضعفًا في الحماية وبطء استجابة المنصات بسبب استخدام لهجات وتعبيرات محلية يصعب على أنظمة الرصد الآلي تفسيرها، مما يؤدي إلى استمرار الإساءات والتحرش وخطاب الكراهية دون إزالة لفترات أطول.
خطوات لمواجهة العنف الإلكتروني
قدمت العديد من المنظمات الدولية توصيات لمواجهة العنف الإلكتروني خاصة ضد الفئات المهمشة، كالمرأة السمراء، حيث طالبت منظمة العفو الدولية من شركات التكنولوجيا التخلي عن سياسات رد الفعل والتحول لنهج "الأمان بالتصميم"، مطالبةً بالاستثمار في مشرفين بشريين يدركون السياقات الثقافية الدقيقة بعيداً عن التحيز للغة الإنجليزية
ونادت "العفو الدولية" بتوثيق قاعدة بيانات تصنف الضحايا بحسب العرق والمهنة، مما يسهم في كشف حجم الاستهداف الموجه للنساء ذوات البشرة السمراء، لاسيما العاملات في الشأن العام
وشددت "الأمم المتحدة للمرأة" على ضرورة إدماج المزيد من النساء في تطوير التكنولوجيا وتصميم الذكاء الاصطناعي لضمان المساءلة والحد من انتشار حملات التشويه الممنهجة بشكل استباقي، داعيةُ كافة الضحايا والناجيات إلى تعلم قواعد السلامة الرقمية، والتقدم ببلاغات ضد المسئيين
وتقدم العديد من المنظمات بينها "الأمم المتحدة للمرأة" خطوات عملية تساعد النساء على تعلم تقنيات حماية حسابتهن بشكل مجاني من خلال الموقع الرسمي للمنظمة، لصياغة واقع رقمي أكثر أماناً للفئات المهمشة وعلى رأسها النساء صاحبات البشرة السمراء، مع التأكيد على اختلاف قدرة النساء العربيات من بينهم صاحبات البشرة السمراء على الوصول إلى تدريبات السلامة الرقمية أو آليات الإبلاغ أو الموارد المتاحة بين مختلف النساء، تبعاً لعوامل عدة أبرزها اللغة، والموقع الجغرافي، والوضع الاقتصادي، ومستوى التعليم، وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، لذلك، يجب تصميم حلول تراعي احتياجات النساء من خلفيات مختلفة، وألا يُفترض أن جميع الضحايا يمتلكن القدرات أو الموارد نفسها للوصول إلى الحماية الرقمية
هذا التقرير نتاج دورة تدريبية متخصصة حول "الصحافة الأكثر شمولًا" المُقدمَة من مؤسسة "مؤنث سالم"