احنا هنا

٠٥ يوليو ٢٠٢٦

تفكيك وثيقة “بنت الأصول”: عن فخ القوالب المجتمعية والاحتراق النفسي الممنهج للنساء

قامت بكتبتها / هاجر سعيد

تنشأ الفتاة في مجتمعنا  تحت وطأة قائمة طويلة من الممنوعات و"الواجبات" التي تُصاغ بعناية خلف جدران غرف التربية منذ الخطوات الأولى، يُفرض عليها أن يكون صوتها خفيضاً، حركتها محدودة، ودائرتها الاجتماعية محصورة، بينما يُمنح شقيقها "الرجل" امتيازات مطلقة. تبدأ معركة مبكرة من التمييز، تُختزل فيها قيمة الأنثى في مدى طاعتها وقدرتها على تحمل العبء بصمت، تحت لافتة عريضة يرفعها المجتمع في وجهها دائماً: "عليكِ أن تكوني بنت أصول"


لكن خلف هذا المديح الظاهري، تختبئ وثيقة غير مكتوبة للاستنزاف النفسي والجسدي، تتأرجح بين رعب معايير الجمال المفروضة، وفجوة الإنفاق المادي، وصولاً إلى طحن عظام النساء في العمل المنزلي غير مدفوع الأجر



رعب الجسد وخلفيات المشهد الجمالي المزدوج


في مفارقة صارخة، يُطالب المجتمع الفتاة بأن تظل مهتمة بنفسها، جميلة، وحسناء على الدوام لكونها أنثى، في حين تكشف المشاهدات الواقعية أن بعض الأسر تمنع عن بناتها أساسيات العناية والشراء، وتجبر الفتاة على البدء في "الاهتمام بنفسها" فقط بعد الزواج.


هذا التناقض يخلّق ما يمكن تسميته بـ "رعب الجسد قبل الزواج" تُصاب الفتيات بقلق حاد من طبيعة أجسادهن البشرية؛ يهرعن للبحث عن حلول للمناطق الداكنة وعلامات التمدد الطبيعية الناتجة عن تقلبات الوزن بين النحافة والسمنة، وكأن جسد المرأة عيب يجب إخفاؤه وليس بنية بشرية طبيعية


وعلى الجانب الآخر من المعادلة، تظهر المعايير المزدوجة في أبهى صورها؛ فالرجل قد يفتقر أحياناً لأبسط أساسيات النظافة الشخصية، ومع ذلك يطالب زوجته بأن تكون في أبهى صورها كـ "عارضة أزياء" بشكل دائم، حتى وإن كان لا يقدم لها ماديّاً ما يمكنّها من شراء أدوات العناية الشخصية الأساسية


"إذا اكتسبت المرأة كيلوغرامات قليلة بعد الولادة، يُهمس في أذنها بنبرة تهديد: 'عليكِ أن تخسري وزنكِ كي لا ينظر زوجكِ للخارج'، بينما نرى في عالمنا اليومي كيف يمكن للرجل أن يصاب بالسمنة المفرطة ويتخلى عن هندامه دون أن يجرؤ أحد على انتقاد رجولته"




الهيمنة الاقتصادية والعنف المادي المغلف بـ "الرعاية"


يمتد هذا التناقض ليعكس فجوة عميقة في القدرة المالية والاستقلال الاقتصادي و نلاحظ ضآلة حضور النساء في المشهد الاقتصادي الرسمي مقارنة بالاستحواذ الذكوري شبه الكامل على مصادر الدخل، مما يعزز من سلطة "العنف المادي" تحت مسميات القوامة والإنفاق 


إن العنف الذي يُمارس ضد النساء في منظومة الزواج لا ينحصر فقط في الاعتداء الجسدي أو الجنسي، بل يتخذ شكلاً ناعماً وخبيثاً هو العنف المادي نرى هذا بوضوح عندما يُحكم الرجل قبضته على حركة المال داخل البيت، ويمنع زوجته من الحصول على مصروف خاص بها بمعزل عن نفقات البيت، مردداً جملته الشهيرة: "أخبريني بما تحتاجين وسأحضره أنا" وفي هذه اللحظة، تتحول المنتجات الحيوية والشهرية للنساء في عين الرجل إلى "محض رفاهية" يمكن التقشف فيها، مما يضع المرأة في موقف مهين ومستمر للاستجداء والمساءلة 




مقصلة التنازلات وضريبة العمل غير المدفوع


يبدأ الاستنزاف النفسي مبكراً مع الخطوات الأولى للزواج؛ في مرحلة اختيار "الشبكة" وتجهيز المنزل. عندما تطالب العروس بحد أدنى يحفظ حقوقها أو ذهباً بقيمة معينة، تُجابه فوراً بنظرة مجتمعية حادة تتهمها بأنها "ليست بنت أصول، ولا تقدر ظروف الرجل". يُستخدم هذا المصطلح كسلاح مسلط على رقاب الفتيات لتقديم التنازلات تلو التنازلات، بدءاً من موقع الشقة وحفل الزفاف، وصولاً إلى الصمت عن انتهاك خصوصيتها وتدخل الأهل في تفاصيل حياتها 


فما الذي يتوجب على النساء فعله ليفزن بهذا اللقب السحري؟ هل عليهن بيع مصاغهن؟ أم طهو الطعام الطازج يومياً دون شكوى؟ هل يهلكن أنفسهن في تنظيف المنزل ورعاية الأطفال والمسنين دون طلب المساعدة ولو لمرة واحدة شهرياً؟


المشاهدات اليومية تخبرنا بأن النساء يستحوذن على الحصة الأكبر والأثقل من وقت العمل المنزلي والرعاية، من إعداد الطعام اليومي وتنظيف وصيانة المسكن، في حين تقتصر مشاركة الرجال غالباً على الأنشطة الخارجية السريعة كالتسوق أو الإصلاحات البسيطة هذا "العبء المزدوج" يجعل النساء العاملات يواجهن احتراقاً نفسياً وجسدياً مروعاً؛ حيث يجمعن بين مسؤوليات العمل خارج المنزل، والالتزامات المنزلية الشاقة داخله، مما يؤدي إلى انهيار صحتهن في ريعان شبابهن



البديل الإنساني: نحو شراكة تحمي الوجدان والجسد


إن استمرار النظر إلى مجهود المرأة داخل البيت كـ "واجب فطري" لا يستحق التقدير، هو تعمية عن قيمة اقتصادية واجتماعية جبارة تمنح الرجل فرصة التفرغ التام لعمله وبناء مسيرته المهنية على حساب صحة شريكته ونموها الشخصي.


لذلك، أصبح من الضروري اليوم تفكيك هذه الوثيقة الاجتماعية الزائفة وإعادة صياغة المفاهيم:


بنت الأصول في جوهرها الحقيقي هي التي تحفظ كرامتها وكيانها الإنساني المستقل قبل كل شيء، فالأصل في العلاقة هو المودة والرحمة وليس استنزاف طرف لصالح الآخر.




  • الأمان المادي كحق أصيل: إن توفير مصروف شخصي للمرأة وتأمين احتياجات عنايتها الشخصية هو جزء أصيل من النفقة وليس رفاهية زائدة، بل هو صمام أمان لسلامتها النفسية.

  • عدالة المشاركة اليومية: الحل يبدأ من كسر القوالب التي تعفي الرجل من تفاصيل بيته؛ فالمشاركة في أبسط المهام كـ "كوب الماء" هي بداية الطريق نحو بيت سوي يحمي المرأة من الاحتراق النفسي والجسدي.


في النهاية، "بنت الأصول" الحقيقية بمفهومها الإنساني والناضج ليست تلك التي تقبل بنسف صحتها ونحر ذاتها تحت أنقاض القوالب المجتمعية الجاهزة، بل هي المرأة التي ترفض الاستنزاف، وتصر على بناء حياة سوية قائمة على الشراكة الحقيقية والكرامة المتبادلة

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
الضريبة الوردية: كيف تدفع النساء ثمنًا باهظًا لـ “اللون” في سوق يفتقر للمساواة؟
هل فكرتِ يوماً وللوهلة الأولى وأنتِ تقفين أمام رفوف أدوات العناية الشخصية في المتجر، لماذا تدفعين أكثر لمجرد أن عبوة شفرات الحلاقة أو مزيل العرق تكتسي باللون الوردي أو البنفسجي؟ خلف هذا الاختلاف البسيط في اللون والتسويق، تختبئ خدعة اقتصادية كبرى لم تسمع عنها الأغلبية العظمى من النساء، بل ويدفعن ثمنها يومياً من أقواتهن ودون […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
خلف الأبواب المغلقة: لماذا يُعد جلي الصحون وتقسيم المهام المنزلية فعلاً سياسياً؟
في بيوتنا ، هناك أصوات لا تُسمع، ومعارك صامتة تُخاض كل يوم فوق أرضيات المطابخ، وبجانب غسالات الملابس لطالما نُظر إلى “العمل المنزلي” بوصفه روتيناً بديهياً، واجباً بيولوجياً جُبلت عليه النساء، وشيئاً يحدث “بصمت وهدوء” دون حاجة للنقاش  حتى النساء أنفسهن، في كثير من الأحيان، يتنازلن عن التفكير في هذا العبء باعتباره قدراً لا فكاك […]
قرائة المزيد