لا يمكن فهم البنية الاجتماعية في السياق المصري خارج علاقات القوة والسلطة التي تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتُعيد تشكيل طريقة إدراك الأفراد لأنفسهم وللآخرين. فالقوة هنا ليست مجرد ممارسة قسرية مباشرة، بل هي منظومة رمزية تُنتج المعايير، وتحدد ما هو “مقبول” وما هو “مرفوض”، وتمنح بعض الأدوار الاجتماعية شرعية ضمنية تجعلها تبدو طبيعية أو بديهية.
وداخل هذه المنظومة، تتداخل السلطة مع المفاهيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية، بحيث لا تُمارس باعتبارها سيطرة فقط، بل باعتبارها “واجبًا” أو “حماية” أو “مسؤولية” وهنا تحديدًا تتشكل المساحة التي يمكن فيها تبرير العنف أو إعادة إنتاجه داخل العلاقات اليومية دون مساءلة واضحة.
تتطلب قراءة الواقع الاجتماعي المصري نظرة فاحصة تربط بين الممارسات اليومية وبين الخصوصية الثقافية والتركيبة النفسية الفريدة لهذا المجتمع. إن الإشكالية لا تكمن في الجوهر الإنساني، بل في "الآليات" و"المبررات" التي تُصاغ بها العلاقات؛ حيث تحول مفهوم الرجولة في بعض الأوساط من حالة "احتواء وأمان" إلى حالة "استنفار وتحكم"، نتيجة نظام تعاقدي اجتماعي جعل من كرامة المرأة "رأس مال" لسمعة الرجل، ومن العنف "أداة صيانة" لهذه السمعة.
تتطلب قراءة الواقع الاجتماعي المصري نظرة فاحصة تربط بين الممارسات اليومية وبين الخصوصية الثقافية والتركيبة النفسية الفريدة لهذا المجتمع. إن الإشكالية لا تكمن في الجوهر الإنساني، بل في "الآليات" و"المبررات" التي تُصاغ بها العلاقات؛ حيث تحول مفهوم الرجولة في بعض الأوساط من حالة "احتواء وأمان" إلى حالة "استنفار وتحكم"، نتيجة نظام تعاقدي اجتماعي جعل من كرامة المرأة "رأس مال" لسمعة الرجل، ومن العنف "أداة صيانة" لهذه السمعة.
أولاً: فخ "الشرعنة الاجتماعية" وآلية التعامي الأخلاقي
إن أخطر ما يواجه النسيج الاجتماعي المصري ليس العنف الصريح المرفوض بالفطرة، بل العنف "المغلف" الذي يستمد شرعيته من تأويلات خاطئة للأصول. يبرز هنا مفهوم "التعامي الأخلاقي"، حيث يتم استبدال المسميات الحقيقية للأفعال القسرية بمسميات وقورة تمنح الممارس راحة نفسية.
إعادة التسمية: في هذا السياق، يتحول التحكم المطلق إلى "غيرة"، وتُسمى القسوة "تربية"، ويُصنف الحرمان من الحقوق تحت بند "الستر والحماية".
الواجب المتوهم: الرجل الذي يمارس هذا النوع من الضغط لا يشعر غالباً بالخزي، بل يمارسه وهو مقتنع تماماً بأنه يؤدي "دوره السيادي" أو واجبه كـ "كبير للبيت".
فقدان السيطرة: هذا التلاعب بالمصطلحات يجعل الفرد ينام قرير العين وهو يظن أنه يحسن صنعاً، بينما هو في الحقيقة يمارس نوعاً من "فقدان السيطرة" المغلف برداء العرف؛ فالسيادة الحقيقية تنبع من كون الشخص "محبوباً ومأموناً"، لا "مرهوباً ومحذوراً".
ثانياً: سلطة "الشارع" وتكتيكات الضغط الجمعي
في الواقع المصري، لا تعيش الأسرة داخل جدران مغلقة بالمعنى النفسي، بل يعيش الرجل ومعه "جمهور" افتراضي أو واقعي يراقب تحركاته. الشارع المصري، بجيرانه وأصدقائه، يمارس دوراً تحريضياً خفياً عبر من يمكن تسميتهم بـ "السخانين والخرابين".
ثقافة الضبط الاجتماعي: يمارس المجتمع دور "المحرض" أو "المبرر"؛ فجمل مثل "ما تخليهاش تركبك" أو "الست لو ما اتكسرش لها ضلع" تعمل كرصاصات اجتماعية تستهدف استقرار البيوت.
الهيبة الهشة: الخوف من "كلام الناس" ومن صورة "المحكوم" هو المحرك الأساسي لأغلب المشاحنات؛ حيث يضطر الرجل لممارسة القسوة لا رغبة فيها، بل لاستعادة هيبته المتوهمة أمام "القهوة" أو "الشارع".
السيادة الذاتية: إن الرجولة الحقيقية تقتضي ألا يكون القرار داخل البيت رهناً لنظرة الآخرين، فالقوة تكمن في الترفع عن صغائر الأمور والاعتماد على قناعات أخلاقية ذاتية، لا على محاولة إثبات منعة وهمية أمام الغرباء.
ثالثاً: العنف الصامت.. الحصار تحت مسمى الرعاية
بعيداً عن الأذى الجسدي، يتفوق في المجتمع المصري نوع أعمق وأكثر تعقيداً وهو "العنف المعنوي والاقتصادي"، أو ما يمكن تسميته بـ "الحصار الهادئ".
التلاعب بالمفاهيم: يُنظر للمنع أحياناً كأعلى درجات الغيرة، وللتضييق المادي كوسيلة للإخضاع، وكل ذلك يندرج تحت مفهوم مشوه لـ "القوامة".
أدوات الضغط: "الحرمان من المصروف"، "المنع من العمل أو التعليم"، أو "التهديد بخراب البيت" هي أدوات ممارسة ببرود تحت مسمى "الحماية".
الشهامة والالتزام: يُعاد تعريف المسؤولية هنا لتؤكد أن النفقة والرعاية هي أفعال قوة تهدف لتأمين العرين وزيادته منعة، وليست أغلالاً لتقييد الشريك؛ فالتملص من الإنفاق أو استخدامه وسيلة للسيطرة هو اعتراف بالعجز عن القيادة الروحية والعقلية للأسرة.
رابعاً: العِرض والسمعة.. جغرافيا الخوف النفسي
تظهر المرأة في المخيال الشعبي المشوه كـ "مرآة" لرجولة الرجل، وليست ككيان مستقل تماماً بمسؤوليته الفردية. هذا الربط العضوي يخلق حالة من الاستنفار الدائم لدى الرجل.
الرقابة vs الحماية: يتحول مفهوم "الحماية" الفطري إلى "رقابة" لصيقة نابعة من التخوين والشك، بسبب اعتبار جسد المرأة وتصرفاتها "رأس مال" لسمعة الرجل في المحيط الاجتماعي.
الستر والصون: إن الوقاية الحقيقية تنبع من "الستر"، والسيادة الفعلية تكمن في جعل الشريك "حصناً" بالاحترام والاحتواء، بحيث يكون خط الدفاع الأول هو الكرامة المتبادلة، لا الخوف الناجم عن الترهيب.
خامساً: سيكولوجية الاحتواء.. بديل "الارتباط الآمن"
إن العنف في جوهره هو "فشل في التواصل" وعجز عن إدارة المشاعر. وفقاً لنظريات "الارتباط الآمن"، فإن الدور الأساسي للرجل في الأسرة المصرية هو أن يكون "قاعدة الأمان".
إطفاء القلق: عندما يشعر الطرف الآخر بالأمان المطلق، تنطفئ "أجهزة إنذار القلق" لديه، ويحل "الود" محل "الصراع"؛ فالرجل الذي يضرب أو يهين هو في الحقيقة رجل عجز عن احتواء الموقف عاطفياً.
الإصلاح بعد الخطأ: تقتضي الرجولة القدرة على "لم الليلة" وتفهم ضغوط الواقع، واعتبار أن القوة تظهر في القدرة على استيعاب الأزمات وتثبيت دعائم البيت أمام رياح التحريض الخارجي.
سادساً: ختاما
إن الاختلاف الجوهري في الواقع المصري يكمن في أن العنف ليس مجرد فعل فردي طارئ، بل هو "نظام تعاقدي اجتماعي" غير مكتوب، يتم فيه مقايضة "حرية المرأة" بـ "حماية الرجل". وعندما يختل هذا التوازن، يتدخل المجتمع ليمنح الرجل "الحق" في استخدام الشدة لإعادة ما يسميه "الانضباط".
الرجولة الهشة vs السيادية: الرجولة الهشة هي التي تعتمد على كسر الآخر لإثبات الذات، بينما الرجولة السيادية هي التي لا تهتز من قوة من معها، بل تزداد ثباتاً بها.
فلسفة الأمان: القوة الحقيقية ليست في ممارسة الضغط لإسكات الآخر، بل في "الاحتواء" الذي يلغي الحاجة للتمرد أصلاً.
مواجهة المحرضين: إن العدو الحقيقي لاستقرار الأسرة هو "المحرض" الذي يسعى لإفساد البيوت بحثاً عن شعور وهمي بالتفوق الجماعي.
الخلاصة: لقد حان الوقت لفك الارتباط بين "السيادة" و"العنف" في العقل الجمعي المصري. السيادة هي "ترفع"، والرجولة هي "أمان"؛ والجدع الحقيقي هو من يحمل المسؤولية بوقار، وينفق بسخاء، ويستر بعزة، ويصون بجدعنة؛ فالهيبة تبدأ من القدرة على صون العشرة، والجدع بجد هو من يأمن جاره وأهل بيته غدره قبل أن يرجوا خيره.