مع كل موجة غضب تعقب خطأ لاعب أو قرار حكم، تلحظ نمطاً ثابتاً: السباب لا يُوجَّه للمخطئ ذاته، بل لأمه وأخته وزوجته النساء هنا لسن طرفاً في اللعبة ولا شاهدات عليها، لكنهن الحلقة الأضعف التي يُصبّ فيها الغضب
في علم النفس الاجتماعي، تُعرف هذه الظاهرة بـ"إزاحة العدوان" (Displaced Aggression): حين يتعذر الوصول للمصدر الحقيقي للإحباط - لاعب بعيد، حكم لا يسمع، فريق منافس أقوى - يبحث الغاضب عن هدف بديل أضعف وأقرب. لكن الإزاحة وحدها لا تفسر لماذا يكون الهدف البديل امرأة تحديداً، لا مثلاً مدرب الفريق أو الاتحاد الرياضي. الإجابة تكمن في أن المجتمع سبق أن جهّز "قناة" جاهزة لهذا الغضب: منظومة تربط شرف الرجل بجسد نسائه وسلوكهن الجنسي، فتصبح الإهانة الجنسية الموجهة لامرأته أعمق أثراً من أي إهانة مباشرة له. الغاضب لا يخترع هذا المسار، هو فقط يستثمر مساراً اجتماعياً معبَّداً سلفاً.
اللافت أن ذات الشخص الذي يشعر بالرضا حين يسبّ نساء غريب عنه، ينفجر دفاعاً إذا مسّ أحدٌ نساء بيته - "أمي لأ" هي الخط الأحمر الوحيد وسط فوضى الشتائم. هذا ما تسميه الأدبيات النسوية "ثقافة الشرف" (Honor Culture): نظام اجتماعي يجعل من جسد المرأة وسلوكها مقياساً لسمعة الرجل، لا ملكاً لها هي. وفق هذا النظام، حرمة المرأة ليست حقاً ذاتياً ثابتاً، بل ملحق بموقعها من رجل معيّن: مُهانة إن كانت بعيدة عنه (لأنها حينها "ملكية" رجل آخر يُراد كسره)، ومصانة إن كانت "ملكه" هو. النتيجة أن دفاع الرجل عن "شرفه" حين تُسب نساؤه ليس نقيض إهانته لنساء غيره - هو الوجه الآخر لنفس المعادلة: كلاهما يتعامل مع المرأة كأداة قياس، لا كذات.
بعد صافرة النهاية، لم تتحول منصات التواصل ومقاهي الشارع إلى مساحة نقد تكتيكي، بل إلى مقصلة لفظية استهدفت أمهات اللاعبين وزوجاتهم مع كل هدف مستقبَل وفرصة ضائعة. المهم هنا ليس فقط تكرار السلوك، بل تحوّله من فعل فردي عابر إلى ظاهرة جماعية متزامنة تحدث بآلاف الأصوات في نفس اللحظة. وهذا التزامن له وظيفة اجتماعية: حين يسبّ آلاف الأشخاص نساء اللاعبين في وقت واحد، يتحول الفعل الفردي المشين إلى "عرف جماهيري" يكتسب غطاءً اجتماعياً - كل واحد يشعر أنه لا يفعل شيئاً استثنائياً لأن الجميع يفعله. هذا هو الفارق بين إهانة فردية وبين خطاب جماعي مُطبَّع: الأول يُحاسَب عليه فاعله، والثاني يختبئ فاعلوه خلف الحشد.
منصات التواصل الاجتماعي تضاعف هذا الأثر بخاصيتين: الاستمرارية (الشتيمة لا تنتهي بانتهاء المباراة، بل تبقى موثقة ومتداولة) والاتساع (تصل لدائرة أكبر من "غرفة المقهى"، وأحياناً تصل لحسابات النساء المستهدفات أنفسهن مباشرة، فينتقل الأذى من نميمة غائبة إلى تحرش مباشر).
فهم الآلية النفسية للإزاحة لا يعني تبريرها؛ فالإحباط الرياضي مشترك بين ملايين المشجعين، لكن أقلية فقط تختار قناة الإهانة الجنسية للتعبير عنه - وهذا الاختيار له مسؤول. المطلوب ليس فقط توعية فردية بـ"الذوق"، بل مساءلة المنصات التي تسمح بتحول الشتيمة الفردية لحملة منسقة، ومساءلة الخطاب الإعلامي الرياضي الذي يغذي فكرة أن الهزيمة تستوجب "كبش فداء". وطالما ظل شرف الرجل معرَّفاً بجسد امرأته لا بسلوكه هو، ستبقى النساء - حاضرات أو غائبات - أول من يدفع ثمن كل خطأ في المستطيل الأخضر.