في سياق النزاعات الأسرية المعاصرة، برزت ظاهرة لغوية وقانونية مقلقة، تتمثل في إعادة استخدام المصطلحات الحقوقية خارج سياقها الأصلي، وتطويعها لتبرير ممارسات تُقوّض جوهر الحماية التي صيغت من أجلها
يأتي في مقدمة هذه المصطلحات مفهوم “مصلحة الطفل الفضلى”، الذي يتحول أحيانًا—في بعض الخطابات الرقمية—من مبدأ حمائي إلى أداة تبرير لانتهاك حقوق الطفل
إن "المصلحة الفضلى" في فقه القانون الدستوري والاتفاقيات الدولية تعني الاستحقاق الفوري وغير المشروط لبيئة آمنة وكريمة إن محاولة تصوير التهرب من النفقة كـ "ادخار لمستقبل الطفل" هي عملية تدليس قانوني؛ إذ لا يمكن بناء مستقبل لطفل يُهدم حاضره عبر الحرمان من التعليم والرعاية الصحية المباشرة
في جوهرها القانوني، لا تعني “مصلحة الطفل الفضلى” وعدًا مؤجلًا، بل استحقاقًا فوريًا غير قابل للمساومة: حق الطفل في بيئة آمنة وكريمة الآن، لا لاحقًا. فهي، وفقًا لفقه القانون الدستوري والاتفاقيات الدولية، تُحيل مباشرة إلى ضمان شروط الحياة الأساسية في الحاضر: غذاء كافٍ، تعليم مستقر، ورعاية صحية مستمرة.
لكن ما يجري في بعض الخطابات ليس سوى إعادة تدوير لهذا المفهوم لتبرير العنف الاقتصادي. إذ يُقدَّم التهرب من النفقة أو تقليصها بوصفه “ادخارًا لمستقبل الطفل”، أو “حفاظًا على استقرار الأب المادي”. وهنا يكمن التدليس: يتم تفريغ المصطلح من مضمونه الحقوقي، وتحويله إلى أداة لتأجيل حق قائم بالفعل، مقابل وعد مستقبلي هش وغير مضمون.
هذا الانزلاق ليس بريئًا؛ لأنه يفصل الطفل عن احتياجاته الآنية، ويتعامل مع حقوقه كقابلية للتأجيل. والحقيقة أن مستقبل الطفل لا يُبنى إلا على حاضر مصان. فلا معنى لوعود الغد، إذا كان اليوم يُدار بمنطق الحرمان: طفل يُحرم من التعليم الجيد، أو من الرعاية الصحية، أو من حد الكفاية المعيشية، هو طفل يُنتقص من مستقبله بالفعل.
من منظور نسوي، لا يقف هذا التدليس عند حدود الطفل، بل يمتد أثره مباشرة إلى الأم، التي تجد نفسها في مواجهة كلفة “التأجيل” القسري وحدها: اقتصاديًا، ونفسيًا، واجتماعيًا. هنا تتكشف بنية غير متكافئة يُعاد فيها تحميل النساء عبء الرعاية كاملًا، بينما يُعاد تعريف الحقوق بطريقة تُسهّل التهرب منها. لذلك، فإن استعادة المعنى الحقيقي لـ“مصلحة الطفل الفضلى” ليست مجرد مسألة قانونية، بل معركة على تعريف الحق ذاته: هل هو حق يُمارَس الآن، أم وعد يُؤجَّل حتى إشعار آخر؟
وفي هذا السياق تحديدًا، لا يأتي خطاب “التشييء” منفصلًا عن الانزلاق القانوني، بل يُمثّل امتداده الأكثر قسوة على المستوى الاجتماعي والرقمي. فبعد تفريغ “مصلحة الطفل الفضلى” من مضمونها وتحويلها إلى وعد مؤجل، يُعاد تقديم الطفل داخل هذا الخطاب بوصفه كلفة مادية قابلة للحساب، لا إنسانًا له حقوق واحتياجات. تُقاس تربيته بمنطق “الربح والخسارة”، ويُعاد توصيف الإنفاق عليه باعتباره “إتاوة” أو “استنزافًا”. بهذه اللغة، لا يُبرَّر فقط التهرب من النفقة، بل يُعاد تشكيل الوعي الجمعي على نحو يُنزع فيه البعد الإنساني عن الطفل، ويُدفع فيه نحو اختزاله إلى “عبء” اقتصادي.
ومن زاوية نسوية، لا يتوقف هذا التحول عند حدود اللغة، بل يتجسد في ممارسات ممنهجة تعيد إنتاج عدم المساواة. فقد أظهر الرصد التحليلي أن خطاب التحريض الرقمي يروّج لما يمكن تسميته بـ“بروتوكولات التنفير المادي”، حيث يتم تلقين بعض الآباء استراتيجيات “تصفير الذمة المالية” للالتفاف على التزامات النفقة، بما يبدو شكليًا قانونيًا، بينما هو في جوهره تفريغ متعمد للحق من مضمونه. هنا لا يصبح الامتناع عن الإنفاق مجرد سلوك فردي، بل ممارسة مدعومة بخطاب جماعي يشرعنها ويعيد إنتاجها.
وفي قلب هذا الخطاب، يُعاد تدوير اتهام الأم بأنها تستخدم الأبناء “كأداة للابتزاز”، في انقلاب مأساوي على الحقيقة. إذ تكشف الوقائع أن ما يُستخدم فعليًا هو “سلاح التجويع” كأداة ضغط على الأم، لدفعها إلى التنازل عن حقوقها، أو حتى عن حضانتها، مقابل الحد الأدنى من النفقة. وهكذا، تُحاصَر المرأة بين عبء الرعاية المفروض عليها، وخطاب يُجرّم مطالبتها بحقوق أساسية لأطفالها.
لذلك، فإن المعركة ليست فقط قانونية، بل هي معركة على الوعي والمعنى. يجب إعادة بناء الوعي الجمعي ليرى في “النفقة” و“المسكن” و“المصاريف الدراسية” ليس بنودًا قابلة للتفاوض أو المساومة، بل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، التي لا يجوز إخضاعها للخلافات الشخصية أو موازين القوة غير العادلة. في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن هذه الحقوق دفاعًا عن عدالة جندرية أوسع، تعيد للطفل إنسانيته، وللأم حقها في شراكة عادلة لا تقوم على الإكراه أو الابتزاز.