احنا هنا

٠٧ مايو ٢٠٢٦

الامومة كفعل سياسي و الارشفة كأداة لاسترداد التاريخ

قامت بكتبتها / فاطمة الزهراء محمد

على أثير  مهرجان "كوما وايدي"، حيث تتقاطع الصورة مع الذاكرة، أثار فيلمٌ قصير يتناول الأمومة في النوبة جدلاً كلاسيكياً حول الغياب والحضور. لم يكن السؤال الذي طرحه أحد الحضور حول "غياب الرجل" في فيلم يتناول الأمومة والطقوس النوبية مجرد استفسار عابر؛ بل كان تجسيداً صارخاً لمركزية ذكورية تأبى أن ترى التاريخ يكتب بغير صيغة المذكر.  كشف هذا الاعتراض عن فجوة معرفية في فهمنا للتاريخ؛ فالتاريخ الذي لا يرى في "طقوس الرعاية" حدثاً جوهرياً هو تاريخ منقوص. إننا هنا بصدد قراءة نسوية عميقة، لا تكتفي بوضع النساء في الكادر، بل تعيد تعريف "الأرشيف" نفسه و بل تفكك آليات التهميش التي تجعل من "عمل الرعاية" النسوي هوامش غير مرئية في متن التاريخ الرسمي. 


سياسات الرعاية: حين يصبح الخاص تاريخاً عاماً


لطالما نُظر إلى أدوار الرعاية  والأمومة كفعل بيولوجي أو واجب اجتماعي صامت  ترى فيدريتشي أن عمل الرعاية هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، ومع ذلك يتم إخفاؤه واعتباره "طبيعة أنثوية" بدلاً من كونه عملاً سياسياً واقتصادياً. ، لكن القراءة النسوية للتاريخ النوبي تضع هذه الأدوار في قلب "المجال العام". إن طقوس "السبوع" والاغتسال في مياه النيل ليست مجرد عادات فلكلورية، بل هي آليات استمرار حضاري.


عندما تُقصي السينما أو السردية التاريخية "الرجل" لصالح هذه اللحظات، فهي لا تمارس إقصاءً جندرياً، بل تمارس "تركيزاً موضوعياً". فالرعاية هنا هي الفعل الذي حافظ على الهوية النوبية من الاندثار وسط موجات التهجير والتغيير القسري. إنها "سياسة البقاء" التي ادارتها النساء بعيداً عن صراعات السلطة والحروب التي يدونها المؤرخون التقليديون.


الأرشفة البديلة: تفكيك احتكار الذاكرة


يبرز مصطلح الأرشفة البديلة كفعل مقاومة. فمنذ عقود، تم إقصاء النساء من التدوين الرسمي، مما جعل تاريخهن يضيع بين السطور. هنا، يصبح الحكي الشفاهي  والممارسة الطقسية هما الأرشيف الحقيقي:




  • تاريخ الأجساد: طقس الاغتسال في النيل هو تدوين جسدي للعلاقة بين الإنسان والأرض، وهو أرشيف لا يحتاج لورق أو حبر، بل لجسد يحمل الذاكرة وينقلها.

  • المشافهة كسلطة: انتقال الحكايات من الجدات إلى الحفيدات هو "نظام معرفي" موازٍ للمؤسسات الأكاديمية. إنها أدوات النساء لامتلاك تاريخهن وتمريره عبر الأجيال.

  • المجال الخاص كمختبر للهوية: إن "المنزل" و"جلسات القهوة" و"تجمعات السبوع" هي الميادين التي صِيغت فيها المقاومة الثقافية النوبية، وهي الأماكن التي بقيت فيها اللغة والعادات حية حين حاصرها التغيير في الخارج.


إن المطالبة بوجود "رجل" في فيلم يوثق فضاءً نسوياً خالصاً هي محاولة -لا واعية- لفرض الوصاية على السردية. إن الفيلم الذي عرض في "كوما وايدي" لم يكن ينقصُه الرجل، بل كان يفيض بـ السيادة النسوية. إنه يعلمنا أن الأمومة في سياقها النوبي هي مؤسسة سياسية واجتماعية أدارت المجتمع لقرون. إننا اليوم بحاجة لتبني هذه الرؤية لفك ارتهان تاريخنا المنظور الذكوري الذي يرى في المعارك تاريخاً، وفي الرعاية هوامش.


الأرشفة البديلة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة لاسترداد الذات. إنها الحصن الأخير ضد النسيان، والاعتراف بأن النساء لم يكنّ مجرد شاهدات على التاريخ، بل كنّ  وعبر أدوار الرعاية هنّ من يكتبن فصوله الأكثر صموداً وعمقاً.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
كيف تكرس التغطية الرياضية اختزال المشجعات في مظهرهن
عندما تركز كاميرات المباراة على شكل ومظهر المشجعة، ويطمس المعلق والجمهور هويتها كمشجعة لها انتماء ورأي ومشاعر تُعد كرة القدم واحدة من أكثر الرياضات شعبية في العالم، وهي في الأصل مساحة تجمع مختلف فئات المجتمع دون تمييز. ومن هذا المنطلق، فإن المرأة لها الحق الكامل في حضور المباريات وتشجيع منتخب بلادها، وتستحق الاحترام والأمان داخل […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
لماذا تُسبّ النساء بعد كل هزيمة كروية؟
مع كل موجة غضب تعقب خطأ لاعب أو قرار حكم، تلحظ نمطاً ثابتاً: السباب لا يُوجَّه للمخطئ ذاته، بل لأمه وأخته وزوجته النساء هنا لسن طرفاً في اللعبة ولا شاهدات عليها، لكنهن الحلقة الأضعف التي يُصبّ فيها الغضب  لماذا المرأة تحديداً؟ في علم النفس الاجتماعي، تُعرف هذه الظاهرة بـ”إزاحة العدوان” (Displaced Aggression): حين يتعذر الوصول […]
قرائة المزيد