على أثير مهرجان "كوما وايدي"، حيث تتقاطع الصورة مع الذاكرة، أثار فيلمٌ قصير يتناول الأمومة في النوبة جدلاً كلاسيكياً حول الغياب والحضور. لم يكن السؤال الذي طرحه أحد الحضور حول "غياب الرجل" في فيلم يتناول الأمومة والطقوس النوبية مجرد استفسار عابر؛ بل كان تجسيداً صارخاً لمركزية ذكورية تأبى أن ترى التاريخ يكتب بغير صيغة المذكر. كشف هذا الاعتراض عن فجوة معرفية في فهمنا للتاريخ؛ فالتاريخ الذي لا يرى في "طقوس الرعاية" حدثاً جوهرياً هو تاريخ منقوص. إننا هنا بصدد قراءة نسوية عميقة، لا تكتفي بوضع النساء في الكادر، بل تعيد تعريف "الأرشيف" نفسه و بل تفكك آليات التهميش التي تجعل من "عمل الرعاية" النسوي هوامش غير مرئية في متن التاريخ الرسمي.
سياسات الرعاية: حين يصبح الخاص تاريخاً عاماً
لطالما نُظر إلى أدوار الرعاية والأمومة كفعل بيولوجي أو واجب اجتماعي صامت ترى فيدريتشي أن عمل الرعاية هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، ومع ذلك يتم إخفاؤه واعتباره "طبيعة أنثوية" بدلاً من كونه عملاً سياسياً واقتصادياً. ، لكن القراءة النسوية للتاريخ النوبي تضع هذه الأدوار في قلب "المجال العام". إن طقوس "السبوع" والاغتسال في مياه النيل ليست مجرد عادات فلكلورية، بل هي آليات استمرار حضاري.
عندما تُقصي السينما أو السردية التاريخية "الرجل" لصالح هذه اللحظات، فهي لا تمارس إقصاءً جندرياً، بل تمارس "تركيزاً موضوعياً". فالرعاية هنا هي الفعل الذي حافظ على الهوية النوبية من الاندثار وسط موجات التهجير والتغيير القسري. إنها "سياسة البقاء" التي ادارتها النساء بعيداً عن صراعات السلطة والحروب التي يدونها المؤرخون التقليديون.
الأرشفة البديلة: تفكيك احتكار الذاكرة
يبرز مصطلح الأرشفة البديلة كفعل مقاومة. فمنذ عقود، تم إقصاء النساء من التدوين الرسمي، مما جعل تاريخهن يضيع بين السطور. هنا، يصبح الحكي الشفاهي والممارسة الطقسية هما الأرشيف الحقيقي:
إن المطالبة بوجود "رجل" في فيلم يوثق فضاءً نسوياً خالصاً هي محاولة -لا واعية- لفرض الوصاية على السردية. إن الفيلم الذي عرض في "كوما وايدي" لم يكن ينقصُه الرجل، بل كان يفيض بـ السيادة النسوية. إنه يعلمنا أن الأمومة في سياقها النوبي هي مؤسسة سياسية واجتماعية أدارت المجتمع لقرون. إننا اليوم بحاجة لتبني هذه الرؤية لفك ارتهان تاريخنا المنظور الذكوري الذي يرى في المعارك تاريخاً، وفي الرعاية هوامش.
الأرشفة البديلة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة لاسترداد الذات. إنها الحصن الأخير ضد النسيان، والاعتراف بأن النساء لم يكنّ مجرد شاهدات على التاريخ، بل كنّ وعبر أدوار الرعاية هنّ من يكتبن فصوله الأكثر صموداً وعمقاً.