لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للرفاهية أو تبادل المعلومات، بل صار واقعاً موازياً نعيش تفاصيله بكل ما يحمله من فرص وتهديدات وبينما تتسارع التكنولوجيا نحو آفاق مذهلة، تجد النساء والفتيات أنفسهن في مواجهة وحش رقمي لا يرحم؛ حيث يتحول الإعجاب و المشاركة أحياناً إلى أدوات لانتهاك الخصوصية وتدمير الحياة
في هذا التقرير، نفتح ملف المخاطر الرقمية وسلوكيات الاستخدام، لنسلط الضوء على تلك الفجوة التي تستغلها الخوارزميات تارة، والمبتزون تارة أخرى، وسط مجتمع يحاكم الضحية على صورتها وكأنها جريمة. نستعرض كيف تتحول الثغرات التقنية إلى جروح نفسية عميقة، وكيف يمكن للوعي الرقمي والدعم النفسي أن يشكلا حائط الصد الأول في معركة استرداد الأمان المفقود خلف الشاشات
الجانب التقني: الخوارزميات والثغرات.. حين تتحول التكنولوجيا إلى مصيدة
توضح "نورهان عبد الله"، المسؤولة التقنية في مؤسسة "جنوبية حرة"، أن المنصات الرقمية ليست محايدة تماماً؛ إذ تساهم خوارزمياتها في نشر المحتوى المسيء للفتيات تحت غطاء الكوميديا، كما تحصر هذه الخوارزميات المستخدمين داخل "فقاعات" رقمية تضم ذوي الأفكار المتشابهة، مما يطبّع مع السلوكيات العدوانية ويجعلها تبدو مقبولة اجتماعياً. وتضيف أن أنظمة الإبلاغ الآلي تعتمد على ذكاء اصطناعي يجهل السياق الثقافي للمجتمعات وتنوع اللهجات، مما يؤخر حذف المحتوى المسيء.
أما عن مداخل الاختراق، فتشير إلى أنها تتنوع بين التلاعب بمشاعر الضحية عبر ما يُعرف بالهندسة الاجتماعية، واستدراجها لكشف أكواد التفعيل، مروراً باستخدام برمجيات تجسس تُثبت خفية لمراقبة الشاشة وتسجيل المكالمات، ووصولاً إلى استغلال البيانات الوصفية التي تسمح بتتبع نمط حياة الضحية وموقعها الجغرافي حتى مع استخدام الرسائل المشفرة. كما تمثل النسخ الاحتياطية غير المشفرة على خدمات مثل "جوجل درايف" أو "آي كلاود" ثغرة أمنية خطيرة قد تُستخدم ضد المستخدمين.
ورغم هذه المخاطر، تؤكد نورهان أن الذكاء الاصطناعي يظل سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن أن يلعب دوراً مهماً في الحماية من خلال رصد الزيادات المفاجئة في الحسابات الوهمية قبل تحولها إلى حملات تشويه، وكذلك الكشف الآلي عن الصور المفبركة.
أدوات المواجهة السريعة
تتمثل أولى خطوات المواجهة في التوثيق الفوري عبر التقاط لقطات شاشة واضحة تُظهر التاريخ والوقت، يليها تأمين الجلسات من خلال تسجيل الخروج من جميع الأجهزة المرتبطة بالحساب. كما يُنصح بتفعيل التحقق الثنائي باستخدام تطبيقات مخصصة بدلاً من الرسائل النصية، إلى جانب قطع الاتصال بالإنترنت فور الشك في وجود اختراق، لمنع استكمال سحب البيانات أو السيطرة على الحساب.
الجانب النفسي والاجتماعي: جروح لا تُرى.. لكنها تقتل
تطرح "هبة إبراهيم"، مسؤولة برنامج الدعم النفسي في مؤسسة "جنوبية حرة"، تساؤلاً جوهرياً حول قسوة العنف الرقمي، مؤكدة أن السمعة في المجتمعات المحافظة تمثل رأس مال المرأة، وأن استهدافها رقمياً قد يتحول إلى ما يشبه "الإعدام الاجتماعي". فبينما قد تلتئم جروح العنف الجسدي، ينتشر المحتوى الرقمي بسرعة هائلة ويصعب محوه بشكل كامل، مما يضاعف من الأثر النفسي على الضحية.
وتوضح هبة أن هذه الصدمة تتجلى في عدة صور، أبرزها شعور الضحية باللوم نتيجة الأسئلة المجتمعية التي تحملها المسؤولية، وهو ما يخلق إحساساً بالذنب يوازي ألم الاعتداء نفسه. كما تدفع الخشية من الفضيحة كثيراً من الفتيات إلى الانكماش الاجتماعي وتقييد آرائهن، حتى في المساحات التي يفترض أن تكنّ فيها أكثر أماناً. ويصل الأمر أحياناً إلى اضطراب ما بعد الصدمة الرقمية، حيث تعاني الناجيات من اليقظة المفرطة، وفقدان الثقة في المحيطين، ونوبات الهلع والاكتئاب الحاد.
كيف نقدم الإسعاف النفسي الأولي للناجية؟
تؤكد هبة أن الخطوة الأولى في الدعم هي التصديق الكامل للناجية، مع تغيير الخطاب من اللوم إلى الاحتواء، بحيث يتحول السؤال من "لماذا فعلتِ؟" إلى "نحن معكِ". كما يجب توفير بيئة آمنة جسدياً ونفسياً، واحترام استقلالية الناجية في اتخاذ قراراتها، إلى جانب استخدام تقنيات تساعدها على استعادة توازنها الانفعالي في لحظات الصدمة.
خارطة طريق للتعافي: من الرعاية الذاتية إلى المواجهة القانونية
يتطلب التعافي مساراً متكاملاً يجمع بين الدعم النفسي والتحرك القانوني، حيث تبدأ الخطوات ببناء شبكة دعم من خلال الانضمام إلى مجموعات الناجيات لكسر العزلة المرتبطة بالخجل والخوف. كما يُعد اللجوء إلى متخصصين في الصحة النفسية أمراً ضرورياً لإدارة أعراض القلق والاكتئاب واستعادة الشعور بالأمان.
وفي الوقت نفسه، تظل المواجهة القانونية خطوة حاسمة، إذ ينبغي التوجه إلى الجهات المختصة مثل مباحث الإنترنت فوراً، مع التأكيد على عدم الخضوع لأي ابتزاز تحت أي ظرف.
وتوجد عدة جهات يمكن اللجوء إليها للحصول على الدعم، من بينها مؤسسة جنوبية حرة من خلال برامجها للخدمات والدعم، والمجلس القومي للمرأة ووحدات مناهضة العنف داخل الجامعات، إلى جانب منظمات المجتمع المدني مثل جمعية خير وبركة وكاريتاس ومنظمة كير، وكذلك المبادرات الرقمية التي توفر مساحات آمنة للدعم والمساندة.
ختاماً
إن مواجهة المخاطر الرقمية ليست معركة تخوضها النساء بمفردهن، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي المستخدم/ة وتمتد إلى صرامة القوانين وعدالة المنصات الرقمية. يجب أن تتحول الرقمنة إلى أداة للتمكين لا وسيلة للتخويف، وأن تتكامل الجهود لبناء بيئة تقنية تحترم الخصوصية، ومجتمع يمنح الأمان بدلاً من إصدار الأحكام..