احنا هنا

٠٩ مارس ٢٠٢٦

المقال الافتتاحي – لحملة الفضاء الرقمي غير آمن

لم يعد العنف ضد النساء محصورًا في الشارع أو مكان العمل. اليوم، يمكن أن يحدث بضغطة زر، أو رسالة مجهولة، أو صورة يتم التلاعب بها ونشرها في ثوانٍ وبينما توسّع الإنترنت بوصفه مساحة للحرية والتعبير، تحوّل في الوقت نفسه إلى ساحة جديدة لإعادة إنتاج العنف القائم على النوع الاجتماعي 


وتشير الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن نحو 73% من النساء والفتيات حول العالم تعرضن لشكل من أشكال العنف الرقمي مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن، وهو ما يعكس حجم الظاهرة واتساع نطاقها وبذلك تحوّل الفضاء الرقمي بالنسبة لملايين النساء والفتيات من مساحة للتواصل والمعرفة إلى ساحة مكتظة بالعنف والإساءة، يتسارع فيها انتشار الانتهاكات مدفوعًا بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإمكانية التخفي خلف الهويات المجهولة، إلى جانب تعقيد الأطر القانونية وآليات المساءلة


ولا يقتصر العنف الرقمي على الفضاء الافتراضي فحسب، بل تمتد آثاره إلى الواقع اليومي؛ من المدارس وأماكن العمل إلى المنازل وحتى مخيمات اللاجئين وفي سياقات الأزمات الإنسانية المختلفة وغالبًا ما يستغل المعتدون خاصية إخفاء الهوية التي توفرها المنصات الرقمية للإفلات من المساءلة، ما يسمح بتكرار الانتهاكات دون رادع كما تتجاوز آثار هذا العنف العالم الافتراضي لتُخلّف أضرارًا نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة ومستدامة،  و بذلك تتصاعد بعض الحالات إلى عنف جسدي أو جنسي، بل يصل في أخطر صوره إلى جرائم قتل النساء


وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس ويوم المرأة المصرية في 16 مارس، نطلق حملة "الفضاء الرقمي غير آمن" بهدف فتح نقاش مجتمعي أوسع حول العنف الرقمي الذي تتعرض له النساء والمراهقون/ات، وتسليط الضوء على الحقوق القانونية للناجيات، والآليات المتاحة لحمايتهن، إلى جانب تعزيز وعي المستخدمين/ات بطرق الاستخدام الآمن والمسؤول للفضاء الرقمي.


تسعى الحملة إلى رفع مستوى الوعي بمخاطر الفضاء الرقمي على النساء والمراهقين/ات، والتعريف بحقوق الناجيات والإجراءات القانونية المتاحة لحمايتهن، بالإضافة إلى تعزيز قدرة المجتمع على التعامل مع التهديدات الرقمية بطريقة آمنة ومسؤولة  و تأتي هذه الحملة في لحظة تتزايد فيها أهمية النقاش حول سلامة النساء في الفضاءين العام والرقمي على حد سواء. فكما تناضل النساء من أجل بيئة عمل آمنة ومساحات عامة خالية من العنف، أصبح الفضاء الرقمي بدوره ساحة جديدة قد تتكرر فيها أنماط الإقصاء والعنف نفسها، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وانتشارًا.


وغالبًا ما تتردد الناجيات في الإبلاغ عن الجرائم الرقمية، إما بسبب الخوف من الوصم المجتمعي، أو لعدم المعرفة بالحقوق القانونية والإجراءات المتاحة، وهو ما يجعل كثيرًا من هذه الانتهاكات تمر دون مساءلة حقيقية.



أولًا: الأطر القانونية والحقوق الرقمية


يتناول هذا المحور الجانب القانوني المتعلق بالجرائم الرقمية في مصر، من خلال تقديم تقارير توعوية تشرح العقوبات القانونية المرتبطة بالتشهير الإلكتروني وانتهاك الخصوصية، وفقًا للتشريعات المنظمة لجرائم تقنية المعلومات


كما يسلط الضوء على التحديات القانونية المرتبطة بالجرائم الرقمية العابرة للحدود، وهي الحالات التي يكون فيها الجاني خارج مصر، الأمر الذي قد يطرح تساؤلات حول آليات الملاحقة القانونية والتعاون الدولي في مثل هذه القضايا ويهدف هذا المحور إلى تمكين المستخدمين من فهم حقوقهم القانونية بشكل مبسط، ومعرفة الخطوات التي يمكن اتخاذها في حال التعرض لأي انتهاك رقمي


ثانيًا: المخاطر الرقمية وسلوكيات الاستخدام


يركز هذا المحور على أنماط الجرائم الرقمية الأكثر شيوعًا، مثل الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز باستخدام الصور أو البيانات الشخصية، والتشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي


كما يتناول التطبيقات والمنصات الأكثر استخدامًا بين المراهقين\ات، مع تقديم تقييم مبسط لمستوى الأمان والخصوصية فيها، والتنبيه إلى بعض الممارسات التي قد تعرض المستخدمين\ات لمخاطر رقمية، مثل مشاركة المعلومات الشخصية مع الغرباء أو استخدام إعدادات خصوصية غير آمنة ويهدف هذا المحور إلى تعزيز الوعي بسلوكيات الاستخدام الآمن للإنترنت، خاصة لدى الفئات العمرية الصغيرة


ثالثًا: الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف الرقمي


لا تقتصر آثار الجرائم الرقمية على الجانب القانوني فقط، بل تمتد لتشمل تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة على الناجيات وفي هذا السياق، تتناول الحملة الأسباب التي قد تدفع العديد من الناجيات إلى الصمت وعدم الإبلاغ عن الانتهاكات الرقمية، مثل الخوف من اللوم الاجتماعي، أو القلق من ردود فعل الأسرة والمحيط الاجتماعي، أو الشعور بعدم الثقة في جدوى الإجراءات القانونية كما تسعى الحملة إلى كسر هذا الصمت عبر التأكيد على أن المسؤولية تقع على الجاني وحده ، وأن طلب المساعدة أو الإبلاغ هو خطوة أساسية نحو الحماية والمساءلة


نحو فضاء رقمي أكثر أمانًا


تؤكد حملة "الفضاء الرقمي غير آمن" أن بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا لا يعتمد فقط على القوانين أو الإجراءات التقنية، بل يتطلب أيضًا تعزيز الوعي المجتمعي بثقافة السلامة الرقمية واحترام الخصوصية.


وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة ويوم المرأة المصرية، تدعو الحملة المؤسسات الإعلامية، ، وصناع المحتوى، والأسر، إلى المشاركة في نشر المعرفة حول المخاطر الرقمية، ودعم الناجيات ، والعمل المشترك من أجل فضاء رقمي يحترم الحقوق ويعزز الأمان للجميع


مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
حين يفقد جسد النساء صوته في أكثر لحظاته هشاشة
تبدأ المعاناة منذ اتخاذ قرار الحمل، وما يتبعه من تغيرات فسيولوجية ونفسية تطرأ على المرأة، مرورًا بتذبذب هرموناتها وازدياد حساسيتها تجاه نمط الحياة اليومية وعندها تصبح المرأة عاجزة عن أداء مهامها اليومية، أو تنهمر دموعها في مواقف قد تبدو بسيطة، تواجه ضغوطًا ممن حولها؛ فتُتَّهم بالدلال المفرط، وتُساق لها قصص عن نساء كافحن حتى اللحظات […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
لا شرف في القتل: جرائم بلا اسم قانوني وضحايا بلا حماية
جرائم القتل بدافع ما يُسمى «الشرف» هي واحدة من أبشع صور العنف القائم على النوع الاجتماعي، ليس فقط لأنها تسلب حياة النساء ، بل لأنها تمنح القاتل غطاءً أخلاقيًا زائفًا، وتُحوّل الضحية  بعد موتها إلى متهمة هي جريمة تبدأ اجتماعيًا قبل أن تصل إلى ساحة المحكمة، وتُرتكب باسم منظومة قيم لا تعترف بالنساء كأفراد، بل […]
قرائة المزيد