احنا هنا

٢٥ مارس ٢٠٢٥

وضع النساء في رمضان “عبادة مؤجلة وأعباء منزلية لا تنتهي “

قامت بكتبتها / محمد بركات

يُعَدُّ شهر رمضان المبارك فرصة لتعزيز الروحانيات والتقرُّب إلى الله من خلال الصيام والصلاة وقراءة القرآن. وهو الوقت الذي يُفترض أن يُخصَّص فيه الإنسان وقتًا أكبر للعبادة والتأمل. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من النساء،  يتحوَّل هذا الشهر إلى فترة من الأعباء المنزلية المضاعفة. تجد النساء أنفسهن محاصرات بكمٍّ هائل من المسؤوليات الملقاة علي عاتقهن، من تحضير وجبات الإفطار والسحور إلى العزائم والاستعداد للعيد. مما يترك لها وقتًا ضئيلًا للراحة وممارسة الشعائر الدينية الخاصة برمضان.


تقضي النساء ساعات طويلة في تحضير الإفطار والعزائم، حيث يترافق هذه المهام مع  مع استمرار الأعباء اليومية الأخرى، مما يتركهن في حالة من الإرهاق المستمر. وفي سياق ذلك، تواجه الكثير من النساء تحديات إضافية تتمثل في التوفيق بين التزاماتهن المهنية والأسرية المفروضة عليهن، حيث يجدن أنفسهن مطالبات بالحفاظ على أدائهن في العمل بجانب القيام بأدوارهن المجتمعية داخل  المنزل. وهذا الضغط المتواصل يؤدي إلى شعورهن بالتعب الجسدي والنفسي.


تروي منى، سيدة متزوجة منذ 18 عامًا وأم لثلاثة أبناء، في حديثها مع "جندريست" :  "إن رمضان له طقوس جميلة ومميزة، لكن لا يمكن إنكار أن أعباء المنزل خلال هذا الشهر تتضاعف. الفرق شاسع بين أعمال المنزل في الأيام العادية وبين مسؤولياته في رمضان"


وتوضح منى : "يومي يبدأ مبكرًا جدًا، حيث استيقظ في السادسة والنصف صباحًا لتجهّيز أطفالي للمدرسة، بعد نوم متقطع بسبب إعداد السحور. بعد عودتهم، تبدأ رحلة تحضير الإفطار، والتي تتطلب إعداد أصناف متنوعة يوميًا، مما يزيد من الضغط. ولا تقتصر المسؤوليات على المطبخ فقط، بل تمتد إلى الأعمال المنزلية الأخرى".


الضغوط الاجتماعية وتقاليد العيد


لا تتوقف الأعباء عند تحضير الطعام، بل تتزايد مع الضغوط الاجتماعية والعزومات العائلية. تُعَدُّ العزائم جزءًا أساسيًا من العادات الرمضانية التي تعزز الروابط العائلية والاجتماعية، إلا أنها في الوقت نفسه تشكل عبئًا إضافيًا على النساء، حيث تتطلب التخطيط المسبق، وإعداد كميات كبيرة من الطعام، وتجهيز المنزل ليكون في أفضل حالاته لاستقبال الضيوف.


 كما أن تكرار هذه العزائم خلال الشهر يؤدي إلى إرهاق جسدي ونفسي، مما يجعل من الصعب تخصيص وقت كافٍ للعبادة والراحة، خاصةً إذا لم يكن هناك توزيع متوازن للمسؤوليات بين أفراد الأسرة. وتُضيف منى: "يتطلب تحضير المنزل لاستقبال الضيوف جهدًا كبيرًا. كل شيء يجب أن يكون مرتبًا، ومع اضطراب مواعيد النوم والاستيقاظ يصبح الأمر مرهقًا "


أما الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، فتشهد تحديات إضافية، حيث تبدأ النساء في تجهيز كعك العيد وشراء الملابس الجديدة للأبناء، بينما يقتصر دور الزوج في كثير من الأحيان على الدعم المالي فقط.


تقول سعاد احمد، ربة منزل تبلغ من العمر 42 عامًا : "العزومات في رمضان تمثل ضغطًا متجددًا كل عام. أجد نفسي مطالبة باستضافة العائلة أكثر من مرة خلال الشهر. تحضير الطعام لعشرة أو خمسة عشر شخصًا ليس بالأمر السهل. أبدأ التحضير قبل يوم، وأحيانًا لا أنام جيدًا من الإرهاق والتوتر، لأنني أريد أن أقدم أفضل ما عندي، وكل شئ يكون مثاليًا. عندما يحين موعد الإفطار، لا أستطيع حتى الجلوس والأكل بهدوء، بسبب انشغالي بتقديم الأطباق للضيوف. ثم أجد نفسي أمام جبل من الصحون بعد انتهاء العزومة، وأتمنى أن يدرك الجميع أن رمضان ليس فقط مسؤولية النساء وحدهن، وأن يُصبح توزيع العمل المنزلي بين الأفراد أمرًا طبيعيًا وليس استثناءً ".


أما نجلاء سعداوي ، 35 عامًا، موظفة، ف: "أعمل لساعات طويلة خارج المنزل، ثم أعود لأجد نفسي مطالبة بتحضير عزومة كبيرة أشعر أن الضيوف لا يدركون حجم الجهد المبذول، بل يتوقعون أن يكون كل شيء مثاليًا، مما يجعلني تحت ضغط هائل "


ومن جانبها، تضيف ليلى ابراهيم ، موظفة وأم لطفلين، عن معاناتها قائلة: "التحدي الأكبر يتمثل في الجمع بين المسؤوليات المنزلية والعمل خارج البيت. أحيانًا أشعر أنني في سباق مع الوقت، خاصة مع الإرهاق الناتج عن الصيام.  أعود من عملي مباشرة لتحضير الطعام، ثم متابعة دروس الأطفال، ثم ترتيب المنزل. في بعض الأيام، أشعر أنني غير قادرة على الوقوف من شدة التعب، لكن لا مجال للتوقف، لأن الجميع يعتمد عليّ "



تحديات خبيز العيد


إلى جانب التحضير اليومي والطهي، يأتي عبء إعداد الكعك والبسكويت، يُعتبر هذا التقليد جزءًا لا يتجزأ من احتفالات العديد من الأسر قبل عيد الفطر، ولا ننكر أنه يضفي البهجة والسعادة في المنزل. فهي عادة توارثناها من الأجداد، لكنها أيضًا تمثل عبئًا إضافيًا على النساء.


وتضيف ليلى: "أبدأ في تحضير كعك العيد قبل أيام، لكنني أجد نفسي مطالبة بعمل كميات كبيرة لأن الجميع يتوقع أن أرسل لهم طبقًا، سواء كان ذلك لحماتي أو أخت زوجي، أو بيت اهلي. هذه العملية مرهقة وتستغرق ساعات طويلة، ومع ذلك، في النهاية، لا أحد يشعر بحجم المجهود الذي بذلته.  أحيانًا أسأل نفسي: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ لكن بمجرد أن أشم رائحة الكعك وأرى فرحة أطفالي، أنسى التعب، ولو للحظات."


يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة اليومية وأجواء رمضان الروحانية؟ يتضح أن الأعباء التي تتحملها النساء خلال هذا الشهر تفوق بكثير مجرد تحضير الطعام أو ترتيب المنزل. فهي تشمل أيضًا ضغوطًا اجتماعية و توقعات ثقافية تجعلهن في حالة من الإرهاق المستمر.


لذلك، لابد من تعزيز ثقافة تحمل المسؤولية داخل الأسرة، بحيث يتقاسم الرجال الأدوار والمهام بدلاً من أن تتحملها النساء وحدهن هذا الدور.


من الضروري تغيير الثقافة المجتمعية المحيطة بالأدوار الاجتماعية المخصصة للرجال والنساء، والعمل على إعادة تشكيل التصورات النمطية المتعلقة بدور الرجل في الأسرة. لا يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة إلا من خلال تعزيز ثقافة المشاركة في المهام المنزلية وإعادة توزيع تلك الأدوار بين الجنسين بشكل عادل ومتساوٍ، والتخلص من الوصم الاجتماعي الذي يحيط بممارسة الرجال لهذه المسؤوليات. فَإن تقديم الرعاية لا يتناقض مع معاني الرجولة، كما أن الأعمال المنزلية ليست منقصة للكرامة بل تعكس التزامًا واهتمامًا بالعائلة. من المهم أن نخلق توافقًا في الأدوار بين جميع أفراد الأسرة، وأن نقوم بتفكيك ثنائية الإنفاق مقابل الرعاية، لضمان إقامة توزيع عادل للمسؤوليات دون أن يُلقى العبء بالكامل على النساء.


 فالمهام المنزلية ليست مجرد أعمال يومية، بل تشمل أيضًا ضغوطًا اجتماعية وتوقعات ثقافية تُسبب لهن إرهاقًا مستمرًا، مما يجعل التوزيع العادل للأدوار ضرورة لتحقيق التوازن الأسري والصحة النفسية في المقام الأول للنساء ولبقية الأفراد.


 فكما أن رمضان هو شهر العبادة والتأمل، فهو أيضًا فرصة لتعزيز قيم المشاركة والتقدير، لضمان أن يستمتع الجميع، رجالًا ونساءً، ببركة هذا الشهر وروحانيته دون الشعور بالإرهاق أو الاستنزاف.

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
“ظلم المصطبة” دراما تبرز العنف الأسري ضد النساء
مسلسل “ظلم المصطبة” يفتح ملف قضايا العنف الأسري ضد النساء في دراما رمضان 2025، مقدمًا صورة صادمة عن المعاناة التي تعيشها النساء في المجتمع المصري. لا يكتفي المسلسل بسرد أحداث درامية مشوقة، بل يستعرض أشكالًا مختلفة عن العنف الأسري، سواء الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي، من خلال شخصية “هند”، التي تؤديها الفنانة ريهام عبد الغفور، […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
” النساء بين قمع العادات و تبرير التحرش: حكايات متكررة في رمضان والعيد”
 كل عام، يعود رمضان ليحمل معه أجواءه الروحانية المميزة، يتبعه العيد باحتفالاته المبهجة لكن، يعيد هذا الشهر أيضًا إنتاج سلوكيات ترسّخ فكرة أن النساء مسؤولات عن ضبط أخلاق الرجال. إنه مشهد يتكرر بلا كلل، في كل زمان ومكان، وفي كل مناسبة.  الصيام هنا لا يتجلى كعبادة شخصية فقط، بل يتحول إلى مشروع جماعي تتحمل النساء […]
قرائة المزيد