احنا هنا

٢٩ يناير ٢٠٢٦

لا شرف في القتل: جرائم بلا اسم قانوني وضحايا بلا حماية

قامت بكتبتها / محمد بركات

جرائم القتل بدافع ما يُسمى «الشرف» هي واحدة من أبشع صور العنف القائم على النوع الاجتماعي، ليس فقط لأنها تسلب حياة النساء ، بل لأنها تمنح القاتل غطاءً أخلاقيًا زائفًا، وتُحوّل الضحية  بعد موتها إلى متهمة


هي جريمة تبدأ اجتماعيًا قبل أن تصل إلى ساحة المحكمة، وتُرتكب باسم منظومة قيم لا تعترف بالنساء كأفراد، بل كـ«حاملات شرف» يمكن التخلص منهن إذا شاب هذا الشرف شك أو شائعة


كل ما مررتِ بقضية امتدت لأسابيع في الإعلام عن أب أو زوج قتل امرأة  غالبًا ما تكون ابنة  أو زوجة بسبب “الشرف”، كرجل مشتبه فيه أو مجرد شائعة، بتلاقي مشاعر مجتمعية متضاربة في ناس بتقول “ده تقليد واحنا لازم نحافظ على الشرف”، وناس بتقول “دي جريمة قتل وليست شرف” لكن الحقيقة إن القانون المصري لا يعرف مصطلح “جرائم الشرف” كفئة مستقلة، لا في النص ولا في التطبيق الفعلي، رغم أن المجتمع كتير من الأحيان بيشغّل القانون لصالح الأعراف



«إحنا اتربينا إن البنت غلطتها بتموتها»


«إحنا اتربينا إن البنت غلطتها بتموتها، والولد ألف غلطة وتتغفر أما القانون؟ محدش يعرف عنه حاجة، الناس بتمشي ورا الكلام» بهذه الكلمات لخّصت إحدى النساء من قلب الشارع  منطقًا اجتماعيًا راسخًا هذه الشهادة ليست استثناءً، بل نمطًا متكررًا في أغلب القضايا التي وُصفت إعلاميًا بجرائم “الشرف”  هنا لا يكون القتل فعلًا فرديًا فقط، بل نتيجة تواطؤ جماعي: أسرة، محيط اجتماعي، وصمت عام، وأحيانًا قراءة متساهلة للنص القانوني 



ما يقول القانون المصري فعلاً؟


 قانون العقوبات لا يعرّف “جرائم الشرف”لا يوجد نص صريح في قانون العقوبات يحمل مصطلح "جرائم الشرف" أو يعفي القاتل من العقاب لسبب اعتباطي. في الواقع، القانون يتعامل مع الجرائم كجرائم قتل عادية يفترض القانون أن الجرائم تقاس بـ الأفعال وتأثيرها على الضحية، وليس بدوافع اجتماعية أو ثقافية


المادة 237 — تخفيف للزوج فقط في ظروف خاصة في نص واضح جدًا من سنين طويلة  أن الزوج الذي يفاجئ زوجته في حالة تثبت الزنا وقتلها مع شريكها، يمكن أن يُعاقب بالحبس بدل العقوبات الأشد للقتل. النص ده محدود للحالات التي يشهد فيها الزوج الفعل نفسه وقت حدوثه، وده يخص الزوج فقط، ولا يطبق بشكل شامل على الأب أو الأخ 


في تجربتي، كتير من القضايا بيحكوا إن الأب أو الأخ “كان شايف مساحة واسعة للخيانة أو فقدان الشرف”، لكن القانون لا يعطيهم نفس الحق أو نفس التخفيضات إلا بتطبيق بنود عامة لتخفيف العقوبة (زي المادة 17) — وهي مادة أوسع وليست مخصصة لجرائم الشرف.



المادة 17 — باب واسع للتخفيف ده أهم العامل اللي بيخلّي “جرائم الشرف” في الواقع تأخذ أحكامًا أخف — مش لأن القانون يجيزها، لكن لأن القاضي يمكنه استخدام المادة 17 لتخفيف العقوبة إذا رأى أسبابًا مخففة مثل “غضب مفاجئ " في قضايا كثيرة الآباء أو الأخوة بيطلبوا هذا التخفيف بدعوى أنهم “أصيبوا بصدمة نفسية” أو “انهيار عصبي” بعض القضاة يقبلوا ده، وبعضهم يرفضوا السبب؟ المادة 17 بصيغتها الحالية تمنح القاضي سلطة تقديرية كبيرة


يواجه رصد جرائم قتل النساء بدافع جندري تحديات كبيرة على المستوى العالمي، إلا أن هذه التحديات تتفاقم في السياق المصري، حيث يعاني الباحثون والصحفيون من صعوبة بالغة في الوصول إلى بيانات رسمية عن الجرائم بوجه عام. فعلى الرغم من أن إدارة المتابعة والإحصاء الجنائي بقطاع الأمن العام بوزارة الداخلية تصدر تقريرًا سنويًا يتضمن بيانات تفصيلية عن الجنايات والجنح، بما في ذلك جرائم القتل والعنف الأسري، وعلى مستوى المحافظات كافة، فإن تداول هذا التقرير بات منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي مقصورًا على القيادات الأمنية، وممنوعًا عن الصحافة والباحثين والجمهور.


ويترتب على هذا الحجب المعرفي غياب إجابات دقيقة لأسئلة جوهرية، مثل عدد جرائم “الشرف” التي تقع سنويًا، أو توزيعها الجغرافي، أو عدد حالات العثور على جثث نساء في نهر النيل، وهو ما يجعل النقاش العام حول هذه الجرائم قائمًا على تقديرات جزئية أو انطباعات، لا على أساس معلوماتي راسخ، بما يخل بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة.




السياق العالمي: أرقام تكشف حجم الجريمة


على الصعيد العالمي، تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 إلى أن نحو 81 ألف امرأة وفتاة قُتلن خلال عام 2020. وتشير الأرقام إلى أن 47 ألفًا منهن، أي ما يقارب 58%، قُتلن على يد شريك حميم أو أحد أفراد الأسرة، بما يعادل مقتل امرأة أو فتاة كل 11 دقيقة داخل نطاق الأسرة أو الفضاء الخاص.



الإطار القانوني المصري: نصوص تُشرعن التمييز


لا ينص قانون العقوبات المصري صراحة على ما يُعرف بجرائم “الشرف”، إلا أن بعض مواده تخلق بيئة قانونية تسمح بالتساهل معها. إذ تنص المادة 237 من القانون على تخفيف العقوبة إلى الحبس في حال فاجأ الزوج زوجته متلبسة بالزنا وقتلها في الحال، بدلًا من تطبيق عقوبات القتل العمد المنصوص عليها في المواد 234 و236.


كما يميّز القانون في عقوبة الزنا بين الرجل والمرأة؛ إذ تُعاقَب الزوجة بالحبس مدة تصل إلى عامين، مع إيقاف العقوبة في حال تنازل الزوج، بينما لا يُعاقَب الزوج إلا إذا وقع الزنا في مسكن الزوجية ولمدة لا تتجاوز ستة أشهر. وقد اعتبر كثير من الحقوقيين هذه النصوص مخالفة لمبدأ المساواة الدستورية.






ثغرات قانونية وواقعية لا يمكن تجاهلها غياب تعريف قضائي واضح لأن القانون ما يعرف “جرائم الشرف” كمفهوم، يتم استبعادها من نطاق التعامل معها كجريمة قائمة بذاتها، ما يفتح بابًا لتفسيرات واسعة 


 مراجعة إجراءات إثبات الزنا في بعض القضايا، يضع القاضي شروطًا غير موحدة لإثبات الزنا، أحيانًا عن طريق ادعاء شخصي فقط، بدون دليل قاطع  كأن يكون مجرد “شبهة” في مثل هذه الحالات، التأكيد القانوني بيكون ضعيف جدًا، لكن تأثيره على الحكم يكون كبير في عيون القاضي.


 المادة 17 تستخدم بطرق مختلفة المادة دي رغم أنها لا تضيف نصوصًا استثنائية — تُستخدم في خلق بيئة تخفيف عقوبات غير متساوية لقتلة النساء بدافع ما يُسمّى “الشرف” 




هل يعترف القانون المصري بجرائم الشرف؟


بشكل قاطع: لا القانون المصري لا يتضمن أي مصطلح أو توصيف اسمه «جرائم شرف»  كل الوقائع دي بتُقيد قانونًا كالتالي  قتل عمد - أو ضرب أفضى إلى الموت - أو إصابة أفضت إلى وفاة لكن الإشكالية الحقيقية مش في النصوص، بل في كيفية استخدامها القاضي في مصر يمتلك سلطة تقديرية في تقدير الاستفزاز - الغضب الشديد - ملابسات الواقعةوأحيانًا  وده واقع عملي السياق المجتمعي بيلعب دورًا غير معلن المادة 237 من قانون العقوبات المصري هي أكتر مادة اتشال عليها «سمعة الشرف»، رغم إنها ضيقة جدًا في تطبيقها لان نصها  ببساطة  بيمنح عذرًا مخففًا للزوج فقط، إذا فاجأ زوجته متلبسة فعليًا بالزنا وقتلها في الحال وقتل معها من يزني بها أي إخلال بشروط دي يساوي  قتل عمد كامل الأركان


مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
جرائم «الشرف» في مصر: بين القانون والثقافة وصمت المجتمع
على الرغم من التقدم التشريعي النسبي الذي شهدته مصر في عدد من الملفات المرتبطة بحقوق الإنسان، لا تزال ما يُعرف بـ«جرائم الشرف» من أكثر القضايا المسكوت عنها، قانونيًا واجتماعيًا فهذه الجرائم، التي تُرتكب غالبًا ضد النساء والفتيات بذريعة الحفاظ على «سمعة العائلة»، تكشف عن بنية ثقافية وقانونية معقدة لا تكتفي بتسهيل العنف، بل تُعيد إنتاجه، […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
حين أصبح جسد النساء مقياسًا للشرف: قراءة تاريخية في السلطة والعار
منذ آلاف السنين، تشكّلت المجتمعات الإنسانية الأولى داخل أطر قبلية مغلقة، حيث كانت القبيلة تمثل وحدة الأمان والانتماء والحماية  في غياب القوانين المكتوبة والمؤسسات المنظمة، برز مفهوم “الشرف” بوصفه رأس مال رمزي يحفظ مكانة القبيلة وسط غيرها ومع الوقت، لم يعد الشرف قيمة أخلاقية عامة، بل تحوّل تدريجيًا إلى عبء ثقيل أُلقي على جسد النساء […]
قرائة المزيد