مسلسل "ظلم المصطبة" يفتح ملف قضايا العنف الأسري ضد النساء في دراما رمضان 2025، مقدمًا صورة صادمة عن المعاناة التي تعيشها النساء في المجتمع المصري. لا يكتفي المسلسل بسرد أحداث درامية مشوقة، بل يستعرض أشكالًا مختلفة عن العنف الأسري، سواء الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي، من خلال شخصية "هند"، التي تؤديها الفنانة ريهام عبد الغفور، والتي تسعى لاستعادة كرامتها في مجتمع يقيدها بالأعراف والتقاليد.
منذ المشاهد الأولى، نجد "هند" تعاني تحت وطأة العنف الجسدي من قبل زوجها "حمادة"، الذي يلعب دوره الفنان فتحي عبد الوهاب. تتوالى المشاهد التي تصور معاناتها، لكن إحدى أكثر اللحظات صدمة تحدث عندما تواجهه بكذبه عن زواجه من سيدة إيطالية، فيرد عليها بالضرب المبرح وإشهار سلاحه مهددًا إياها. هذا المشهد يعكس واقعًا تعيشه العديد من النساء، حيث يصبح العنف اللغة الوحيدة التي يعتمدها الرجال لفرض السيطرة وإسكات النساء.
تجسد هذه المشاهد القاسية واقعًا مريرًا تواجهه الكثير من النساء، وهذا ما تؤكده الإحصائيات الحديثة المتعلقة بجرائم العنف الأسري في مصر. تسلط الأرقام الضوء على انتشار العنف الجسدي كأحد أكثر أشكال الانتهاك شيوعًا، مما يجعل هذه القضية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فوفقًا لتقرير مؤسسة "براح آمن" لعام 2023، تم تسجيل 328 حالة عنف جسدي من أصل 703 جرائم عنف أسري تم رصدها في 23 محافظة مصرية، أي ما يعادل 46.7% من إجمالي الانتهاكات. وكان القتل أكثر الانتهاكات شيوعًا بواقع 174 جريمة، يليه الضرب المبرح بـ 44 جريمة، ثم الضرب بـ 55 جريمة. و في عام 2024، تم تسجيل 312 جريمة عنف جسدي من إجمالي 703 جرائم تم رصدها في 21 محافظة، مع تصدر القتل للمشهد بـ 132 جريمة، يليه الضرب المبرح بـ 53 جريمة، والضرب بـ 33 جريمة هذه الإحصائيات تؤكد أن العنف الجسدي ليس مجرد حوادث فردية، بل هو تجسيد لموروث ثقافي يبرر العنف تحت مظلات مثل "التأديب" و"الرجولة".
لا يتوقف العنف عند حد الجسد، بل يتعداه إلى العنف النفسي، وهو أحد أكثر أنواع العنف انتشارًا وخطورة. يظهر هذا العنف بوضوح في علاقة "هند" بزوجها "حمادة"، حيث يتعمد التقليل من شأنها وإهانتها أمام الآخرين، مستخدمًا كلمات مهينة تحطم ثقتها بنفسها. إن الإهانات المستمرة، والتحقير، والتهديدات، تترك ندوبًا لا تمحى في النفس، تجعل النساء يشعرن بالعجز. هذه المشاهد تعكس حقيقة مؤلمة، فالكثير من النساء يعانين بصمت من العنف النفسي، دون أن يدركن أنهن ناجيات، لأن هذا النوع من الإيذاء لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يترك آثارًا داخلية ممتدة وله توابع تؤثر على الحياة الصحية والجسدية للنساء. العنف النفسي لا يقل خطورة عن العنف الجسدي، بل ربما يكون أكثر قسوة وطول أمدًا.
العنف الاقتصادي.. سلاح آخر للسيطرة
واحدة من النقاط الهامة التي يبرزها المسلسل هي العنف الاقتصادي، الذي يمارسه "حمادة" على "هند" من خلال سيطرته المطلقة على أموالها، وحرمانها من حق التصرف بها بحرية. يُعتبر الاستغلال المالي واحدًا من أخطر أنواع العنف، حيث يجعل النساء رهينات لأزواجهن أو أسرتهن، غير قادرات على تحقيق الاستقلال المادي، مما يُجبرهن على البقاء في علاقة مؤذية خوفًا من الفقر والتشرد.
هذا الشكل من العنف يُمارس على نطاق واسع، خاصة في مجتمعنا الذي يفرض قيودًا على عمل النساء أو يضع أموالهن تحت تصرف أزواجهن. من خلال شخصية "هند"، يعكس المسلسل كيف أن يكون العنف الاقتصادي أداة ضغط هائلة، تحرم النساء من حقهن بالتمتع بحياة طبيعية وفرصهن في الاستقلال.
دور المجتمع في استمرار العنف.. متى ينتهي الصمت؟
يطرح المسلسل قضية مهمة، وهي كيف يساهم المجتمع في استمرار العنف ضد النساء؟. تُظهر الأحداث كيف يتعامل المحيطون بـ"هند" مع معاناتها، من خلال الصمت، أو تبرير العنف، أو لوم الضحية/الناجية.هذه النظرة المجتمعية السلبية تُعد واحدة من أكبر العقبات التى تعرقل جهود إنهاء العنف ضد النساء.
العنف ضد النساء ليس مجرد سلوك فردي يمارسه شخص معين، بل هو انعكاس لتركيبة مجتمعية متكاملة تُكرس وتطبع ثقافة القهر والسيطرة ضد النساء. إن دوائر العنف لا تبدأ ولا تنتهي عند العلاقة بين الجاني والضحية/الناجية، بل تتغذى على موروث ثقافي واجتماعي يبرر العنف، ويجعله جزءًا من الممارسات اليومية المقبولة. ففي كثير من الأحيان، لا يتم النظر إلى العنف ضد النساء باعتباره جريمة تستوجب العقاب، بل كأمر طبيعي في ظل علاقات القوة غير المتوازنة بين الرجال والنساء.
المجتمع بدوره يساهم في استمرار هذه الدوائر العنيفة، سواء من خلال الصمت أو التبرير أو حتى لوم الناجية/الضحية، بدلًا من معاقبة الجاني. فكم من امرأة حاولت الإفصاح عن معاناتها، لتجد نفسها متهمة بعدم الطاعة، أو بأنها هي السبب في العنف الذي وقع عليها؟ وكم من مرة تم التستر على جرائم العنف الأسري تحت مسمى "الحفاظ على سمعة العائلة" أو "الخوف من الفضيحة"؟ هذه الممارسات تعزز إحساس النساء بالعجز، وتُشعرهن بأنه لا مهرب من دائرة العنف، خاصة لو كن غير قادرات على تحقيق الاستقلال المادي أو اللجوء إلى سبل العدالة.
ورغم التعديلات في المواد القانونية ، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا أمام تحقيق العدالة الكاملة للنساء. فالقوانين وحدها لا تكفي ما لم تتغير العقليات، وما لم يتوقف المجتمع عن التواطؤ مع المعتدين. فالعنف لا يمكن أن يكون شأنًا خاصًا أو قضية عائلية، بل هو أزمة مجتمعية تتطلب مواجهة حاسمة على جميع المستويات.
يضعنا مسلسل "ظلم المصطبة" أمام مرآة الواقع، ليجعلنا نتساءل: إلى متى سيستمر هذا العنف؟ ومتى ستتمكن النساء من العيش في مجتمع خالٍ من الخوف والعنف؟ الجواب لا يكمن في تغيير القوانين فحسب، بل في تغيير الوعي وتعزيز ثقافة ترفض العنف بكل أشكاله، وتؤمن بأن كرامة النساء وحريتهن ليست أمرًا قابلًا للتفاوض أو المساومة.