احنا هنا

٠١ مارس ٢٠٢٦

حين يفقد جسد النساء صوته في أكثر لحظاته هشاشة

قامت بكتبتها / هاجر سعيد

تبدأ المعاناة منذ اتخاذ قرار الحمل، وما يتبعه من تغيرات فسيولوجية ونفسية تطرأ على المرأة، مرورًا بتذبذب هرموناتها وازدياد حساسيتها تجاه نمط الحياة اليومية وعندها تصبح المرأة عاجزة عن أداء مهامها اليومية، أو تنهمر دموعها في مواقف قد تبدو بسيطة، تواجه ضغوطًا ممن حولها؛ فتُتَّهم بالدلال المفرط، وتُساق لها قصص عن نساء كافحن حتى اللحظات الأخيرة من حملهن في تنظيف المنزل وغسل السجاد ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل تتعرض للسخرية إذا بكت فجأة، وغالبًا ما يتجاهل الزوج والمحيطون مشاعرها، ويحدث خلط بين ما إذا كان هناك سبب حقيقي لضيقها أم أنها مجرد "هرمونات الحمل"  يُلقى عليها اللوم و يترك الحدث الاصلي  كان شيئاً لم يكن


يستمر هذا التطفل و التنظير المجتمعي الى ما بعد الولادة؛ فتبدأ التساؤلات حول كيفية قضائها لهذه الفترة، ومن سيهتم بها وبزوجها؟ وهنا يبدأ فخ التطفل بين الحد من اختياراتها فيتم نبذها و ترهيبها إذا ما اختارت الأم قضاء هذه الفترة في بيت أهلها لتلومها  الألسن قائلة: «كيف تتركين زوجك وحيدًا؟ سيعتاد غيابك وقد يلتفت إلى غيرك» وبين قرارها في البقاء ببيتها   فتتعرض لتجاهل الأب غير المسؤول؛ فكثيرًا ما يتملص الزوج من المسؤولية، ويرفض حتى النوم في الغرفة ذاتها بحجة عدم قدرته على تحمّل بكاء الرضيع، و الشاهد في الأمر أن هذا المجتمع لا يسأل الأب ولا يسائله من مسؤوليته ودوره في الرعاية في هذه الفترة. وإذا شعرت الأم بالرهبة أو بقلة الخبرة في التعامل مع وليدها، يُشعرها الزوج والمجتمع بأن هذه المسؤولية تقع على عاتقها وحدها، في حين أن الأصل أن تكون مسؤولية مشتركة يتعلمان فيها معًا كيفية رعاية طفلهما ورغم قسوة كل ما ذُكر، تبقى اللحظة الأصعب على الإطلاق هي لحظة الولادة، بكل ما تحمله من آلام وأهوال.



ولا تقتصر معاناة المرأة على الضغوط النفسية والاجتماعية فحسب، بل تمتد لتشمل وجهًا أكثر قسوة، وهو العنف التوليدي والإهمال الطبي حيث تُعد لحظة الولادة من أكثر اللحظات قدسية وهشاشة في حياة المرأة؛ فهي تجربة إنسانية وجسدية عميقة تتطلب أقصى درجات الدعم والتعاطف ومع ذلك، تعاني النساء حول العالم مما يُعرف بـ "العنف التوليدي" وهو مصطلح يصف الممارسات الطبية القسرية، أو الإهمال، أو الإساءة اللفظية والجسدية التي تتعرض لها النساء أثناء المخاض والولادة داخل المؤسسات الصحية


رغم أن الهدف من  الولادة الطبيعية  هو الحفاظ على حياة الأم والجنين، إلا أن تحويل العملية الطبيعية إلى "إجراء ميكانيكي" بحت أدى في كثير من الأحيان إلى تجريد المرأة من إنسانيتها وحقها في التحكم بجسدها  العنف الطبي في غرف الولادة ليس مجرد "سوء معاملة" عابر، بل هو تقاطع بين الانتهاكات الطبية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي يجمع هذا المفهوم بين  الاستخدام المفرط للطب تحويل الولادة الفسيولوجية الطبيعية إلى حالة مرضية تستدعي تدخلات جراحية دون ضرورة طبية 




 لماذا يحدث هذا في مكان يُفترض أن يكون رحيماً؟


 ثقافة الأبوية الطبية: الاعتقاد بأن الطبيب هو صاحب السلطة المطلقة، وأن السيدة "مريضة" لا تملك المعرفة الكافية لاتخاذ القرار و في المستشفيات المزدحمة، يسعى الطاقم الطبي لإنهاء الولادات بسرعة لتفريغ الأسرّة، مما يدفعهم لاستخدام التدخلات الجراحية (مثل القيصرية غير المبررة) لتوفير الوقت


لا تنتهي آثار العنف الطبي بانتهاء عملية الولادة، بل تمتد لتشمل اضطراب ما بعد الصدمة تعيش بعض النساء كوابيس مستمرة وتتجنب الحمل مرة أخرى بسبب تجربة الولادة القاسية  ففي اللحظة التي تكون فيها المرأة في أضعف حالاتها الجسدية، قد تواجه تعاملًا يفتقر إلى الإنسانية داخل بعض المؤسسات الطبية؛ حيث يتم تجاهل استغاثتها من الألم، أو إخضاعها لإجراءات طبية دون موافقتها المستنيرة، وصولًا إلى التعرض للإساءة اللفظية أو الإهمال الذي قد يودي بحياتها أو بحياة جنينها


وتُعد عملية شقّ العجان واحدة من أكثر الإجراءات الكاشفة عن التعدي الواقع على المرأة


 فعملية شقّ العجان إجراء جراحي يتم خلال الولادة الطبيعية، حيث يقوم الطبيب أو القابلة بإحداث قطع في المنطقة الواقعة بين المهبل وفتحة الشرج، بزعم تسهيل خروج الجنين أو تقليل تمزقات الولادة 


ورغم شيوع هذا الإجراء في كثير من المستشفيات، فإن التعامل معه باعتباره إجراءً «روتينيًا» يثير تساؤلات عميقة، خاصة من المنظور الذي يضع جسد المرأة وحقها في الاختيار والمعرفة في قلب النقاش ولا يمكن فصل شقّ العجان عن السياق الأوسع الذي يُدار فيه جسد المرأة بوصفه موضوعًا للسيطرة الطبية. ففي كثير من الحالات، تُجرى العملية دون شرح كافٍ، أو دون الحصول على موافقة واعية وصريحة من المرأة، مما يحوّلها من إجراء طبي محتمل إلى ممارسة قسرية.


فالطب، كغيره من المؤسسات، لم يكن يومًا محايدًا تمامًا، بل تشكّل تاريخيًا داخل منظومة ذكورية رأت في جسد المرأة جسدًا «قابلًا للتدخل» و«بحاجة إلى الإدارة»، خاصة أثناء الحمل والولادة ومن هنا، يصبح شقّ العجان مثالًا واضحًا على نزع القدرة على اتخاذ القرار عن النساء في أكثر لحظاتهن هشاشة ، وعلى عكس الاعتقاد السائد، لا تُعد عملية شقّ العجان دائمًا آمنة أو ضرورية


ولا يقتصر أثر شقّ العجان على الجسد فقط، بل يمتد إلى الصحة النفسية للمرأة؛ حيث تعاني بعض النساء من صدمة الولادة نتيجة الإجراء المفاجئ والمؤلم، وشعور بانتهاك الجسد وفقدان السيطرة، واكتئاب ما بعد الولادة المرتبط بتجربة طبية قاسية، إضافة إلى صمت مجتمعي يمنع النساء من التعبير عن الألم أو الاعتراض. وفي المجتمعات المحافظة،  


لا ترفض النساء الطب أو التدخل الطبي في حد ذاته، لكنهن يرفضن الوصاية والمطلب الأساسي يتمثل في عدم إجراء شقّ العجان إلا في الحالات الضرورية طبيًا، وشرح الإجراء ومخاطره بلغة واضحة قبل الولادة، واحترام موافقة المرأة وحقها في الرفض، وتدريب الطواقم الطبية على بدائل أقل تدخلًا، والاعتراف بتجارب النساء وعدم التقليل من آلامهن.


فالولادة ليست حالة طبية فحسب، بل تجربة إنسانية عميقة، ويجب ألا تتحول إلى ساحة يُفرض فيها القرار على جسد المرأة دون أن يكون لها صوت.


إن التعامل مع شقّ العجان بوصفه إجراءً روتينيًا يعكس خللًا في نظرتنا إلى جسد المرأة، حيث يُختزل إلى أداة للإنجاب لا كيانًا له الحق في اتخاذ القرار ولذلك فإن إعادة النظر في هذه الممارسة ليست مسألة طبية فقط 



ولعل واحدة من أبشع الجرائم التي تحدث داخل غرف العمليات بحق النساء هي ما يُعرف باسم (غرزة الزوج)  وهي ممارسة طبية غير أخلاقية وغير معترف بها في الكتب المرجعية للطب، وتُعد شكلًا من أشكال العنف التوليدي وتتمثل في غرزة إضافية يضعها الطبيب أثناء خياطة شقّ العجان أو التمزق الطبيعي، بهدف تضييق فتحة المهبل أكثر مما كانت عليه قبل الولادة ويُشاع خطأً أن الغرض منها زيادة اللذة الجنسية للرجل بعد ولادة زوجته، ومن هنا جاءت تسميتها (غرزة الزوج) ويتمثل الأثر الطبي والنفسي الكارثي لهذه الجريمة في الألم الجسدي، إذ تؤدي هذه الغرزة إلى ضيق غير طبيعي في فتحة المهبل، مما يجعل العلاقة الزوجية مؤلمة للغاية (عُسر الجماع)، وقد تصل إلى مستويات لا تُطاق من الألم أوقات كثيرة يتم إجراء هذا دون إذن واضح او بناء على طلب منها 



كما أن في السنوات الأخيرة زادت نسبة الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا، وهو ما يعتبره الخبراء نوعًا من العنف الطبي الموجّه لتحقيق الربح أو لراحة الطاقم الطبي على حساب صحة الأم 


إن مواجهة العنف الطبي تبدأ بالاعتراف بوجوده فتحويل الولادة من «عملية ميكانيكية» إلى «تجربة إنسانية» يتطلب تدريب الأطقم الطبية على بروتوكولات الرعاية القائمة على الاحترام فالجرح الجسدي قد يلتئم خلال أسابيع، أما الجرح النفسي  فقد يغيّر البنية النفسية للمرأة إلى الأبد إن حماية الأمهات من العنف الطبي ليست رفاهية، بل ضرورة طبية وحق أصيل من حقوق الإنسان 


نحتاج إلى ثورة في المفاهيم والممارسات تفعيل الموافقة المستنيرة فيجب ألا يُجرى أي إجراء (بدءاً من الفحص اليدوي وصولاً إلى القيصرية) إلا بعد شرح الأسباب والمخاطر للأم والحصول على موافقتها الصريحة

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
المقال الافتتاحي – لحملة الفضاء الرقمي غير آمن
لم يعد العنف ضد النساء محصورًا في الشارع أو مكان العمل. اليوم، يمكن أن يحدث بضغطة زر، أو رسالة مجهولة، أو صورة يتم التلاعب بها ونشرها في ثوانٍ وبينما توسّع الإنترنت بوصفه مساحة للحرية والتعبير، تحوّل في الوقت نفسه إلى ساحة جديدة لإعادة إنتاج العنف القائم على النوع الاجتماعي  وتشير الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
لا شرف في القتل: جرائم بلا اسم قانوني وضحايا بلا حماية
جرائم القتل بدافع ما يُسمى «الشرف» هي واحدة من أبشع صور العنف القائم على النوع الاجتماعي، ليس فقط لأنها تسلب حياة النساء ، بل لأنها تمنح القاتل غطاءً أخلاقيًا زائفًا، وتُحوّل الضحية  بعد موتها إلى متهمة هي جريمة تبدأ اجتماعيًا قبل أن تصل إلى ساحة المحكمة، وتُرتكب باسم منظومة قيم لا تعترف بالنساء كأفراد، بل […]
قرائة المزيد