في يونيو 2026، احتفل لاعبو المنتخب المصري بالتأهل في كأس العالم بترديد كلمات مهرجان "تشكيل عصابي" داخل غرفة الملابس: "قولنا خالصة ناخدها معانا... دخل خدها جوة... بعد دقيقة... دي ماتت، البنت بقيت جثة". الواقعة ليست حادثة معزولة عن ذوق موسيقي رديء، بل نافذة على بنية كاملة تُنتج فيها الرياضة الجماهيرية العنف ضد النساء وتعيد تدويرها، من المدرج إلى غرفة الملابس إلى الشارع.
في خطاب المدرجات، لا تُستخدم الأنوثة كصفة، بل كعقوبة. حين تُعيَّر جماهير فريقاً منافساً بالبكاء أو الضعف، فإن الاستعارة تعمل بمنطق واحد: الهزيمة تُقاس بالاقتراب من المؤنث، والفوز يُقاس بالتفوق الذكوري. هذا المنطق لا يبقى مجازاً؛ إذ يتحول إلى فعل مباشر حين يُلقَّن مشجعون أجانب فتيات محليات عبارات جنسية بلغة لا يفهمنها لتصويرهن، أو حين تُستهدف زوجات اللاعبين وأمهاتهم بهتافات تمس "الشرف". في الحالتين، جسد المرأة أداة: إما لإذلال رجل آخر، أو للترفيه عن جماعة ذكورية تحتمي بالغربة والعدد.
المسافة بين تشبيه الهزيمة بالأنوثة، وبين ترديد كلمات تصف اعتداءً جماعياً وقتلاً احتفالاً بالفوز، هي مسافة تصعيد لا قطيعة. فالمنطق الذي يجعل جسد المرأة معياراً لهيبة الرجل في المدرج هو نفسه الذي يجعله موضوعاً للاحتفال في غرفة الملابس حين يُصاغ كنشيد نصر. اللافت أن ذات المنظومة التي تمارس طقوساً دينية ظاهرية قبل المباريات لا تجد تناقضاً في أن يكون طقس انتصارها محاكاة لتدمير جسد امرأة وإنهاء حياتها. هذا لا يكشف نفاقاً أخلاقياً عابراً، بل يكشف أن أخلاقيات هذه المنظومة انتقائية بالأساس: تُعلَّق حين يتعلق الأمر بكرامة النساء.
حذف الصوت من الفيديو دون اعتذار رسمي ليس إخفاقاً إدارياً، بل اختيار. هو الشكل المؤسسي لما تمارسه الجماهير حين تبرر الواقعة بأن اللاعبين "لم يركزوا في الكلمات": كلاهما ينقل التهديد بالاغتصاب والقتل من خانة الجريمة إلى خانة "الإيقاع". حين يتكرر هذا النمط - من المدرج إلى الإدارة إلى الرأي العام - فإننا لسنا أمام واقعة يمكن معالجتها بعقوبة فردية، بل أمام ثقافة اغتصاب مكتملة الأركان: تطبّع، تُبرّر، وتُعيد الإنتاج.
كرة القدم لا تُنتج معناها داخل حدود الملعب. حين تمنح نجوم وطنيون شرعية ثقافية لتخيّل الاعتداء الجماعي بوصفه احتفالاً، فإن الأثر يتجاوز اللحظة: يتحول المحيط الرياضي إلى فضاء طارد للمشجعات والصحفيات والعاملات فيه، ويُغذّى وعي جيل من المراهقين بمعادلة تربط الرجولة بامتهان النساء. وهذا يحدث في اللحظة ذاتها التي تخوض فيها النساء والمنظمات النسوية معارك يومية ضد التحرش والعنف الأسري - أي أن الرياضة، بدل أن تكون حيادية، تصطف عملياً ضد هذه المعارك.
معالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من بيان اعتذار أو غرامة. تتطلب من الفيفا والاتحادات الوطنية معاملة الإساءة ضد النساء كجريمة تمييزية بذات وزن العنصرية، لا كمخالفة ثانوية تُدار إعلامياً. الملاعب لن تكون مساحة فرح جماعي حقيقي طالما ظلت مساحة يُعاد فيها إنتاج العنف ضد نصف الجمهور الذي يفترض أنها تحتفي به.