ليس من الغريب أن تزدحم وسائل التواصل الاجتماعي مع بداية رمضان، بفتاوى وقصص تُلقي باللوم على النساء وحدهن لمواجهة أي "ضعف" ذكوري مفترض، وكأن ضبط النفس والالتزام بآداب رمضان، يكون واجبًا وعبئًا على النساء فقط. ولكن، ماذا عن الرجال؟
تقول م.ن : " والدي يمنعني من الذهاب لصلاة التراويح لأنه يخاف أن يضايقني أحد أثناء الذهاب او العودة، ويقول أنه من الأفضل أن أصلي في البيت". هذا القرار جاء بعد أن حكيت له في العام الماضي عن شخص ضايقني أنا وصديقتي. فالحقيقة ندمت ان حكيت لوالدي، لأن ترتب على حكي الموقف أن أنا من عُوقِبْتُ وتحملت وزر الموقف.
إن التحرش جريمة قائمة طوال العام، تعاني منها النساء يوميًا في كل مكان، ودائمًا ما يقع اللوم عليهن بدلًا من محاسبة المتحرش الجاني. حتى في شهر رمضان، يُستخدم الدين كذريعة لفرض المزيد من الضغوطات والسلطات على النساء بحجة "الحفاظ على أجواء الشهر".
في الشارع، تتجسد هذه السلطة من خلال التحرشات اللفظية والنظرات المزعجة، ويبرر ذلك بأعذار جاهزة مثل: "ليه طالعة كده في رمضان؟ " "و استري نفسك عشان إحنا صايمين!" وكأن المشكلة ليست في المتحرش، بل في وجود النساء أنفسهن!
تحكي اشرقت محمود : "أنا لست محجبة لكن أرتدي ملابس محتشمة جدا. كنت أرتدي قفطانًا في السوق بعد العصر، وعندما كنت أشتري بعض الطلبات قبل العودة للمنزل، سمعت شابين يمشيان خلفي، وكان أحدهما يقول للآخر: "بالذمة دي ينفع تطلع من بيتها كده اللهم اني صائم .. الاشكال دي تضيع صيامنا " أصابني الإزعاج الشديد وتضايقت للغاية. وكنت متاكدة من أنهم يتحدثون عني، لذا قررت تجاهلهم وسرت بخطوات سريعة حتى ابتعدت.
ومع انتهاء رمضان، لا يتوقف العنف المجتمعي ضد النساء بل يظهر في سلوكيات وأشكال أخرى خلال العيد. يصبح العيد مناسبة تتكرر فيها الاعتداءات الممنهجة، و القصص ذاتها تتكرر كل عام. مجموعات من الشباب "تحتفل"، والنتيجة هى موجات من التحرش اللفظي والجسدي في الشوارع والحدائق والمتنزهات، مع تبريرات سخيفة تضع اللوم مجددًا على النساء. المشكلة ليست في النساء بل في أفكار الوصاية التي تُصر على تحميلهن مسؤولية أفعال الرجال وتجعلهن يتحكمن في سلوكيات ومظهر النساء.
المفارقة أن حتى المساحات الدينية، التي يُفترض أن تكون آمنة، تتحول إلى ساحة انتهاكات.
صلاة العيد، التي ينبغي أن تكون لحظة بهجة جماعية، تصبح مشهدًا صادمًا من الاعتداءات الصريحة على النساء وسط الزحام والفوضى. تُرتكب اعتداءات مستترة تحت غطاء "الخطأ غير المقصود"، و نظرات متفحصة. و عندما تعرضت إحدى الفتيات لتحرش لفظي، يبرر هذا السلوك بأن الفتاة هي من "استفزت" الآخرين بمظهرها، وكأن وجود النساء في ساحات الصلاة بحد ذاته ذنب هن وحدهن يتحملن عواقبه.
تتحدث آلاء عبدالغني : "بعد صلاة العيد في المسجد يقف عدد كبير من الشباب يلتقطون صورًا، ويقفون في كل مكان. إذا ضحكت واحدة منا وهي تتحدث مع صديقتها، يعتبروه ذلك دعوة مفتوحة ليأتى أحدهم و يتحرش بها لفظيًا. وإذا وضعت مكياجًا،يُعتبر أنها تبحث عن عريس. وإذا وقفت لنلتقط صورًا أوعامة وقوفي مع رفيقاتي لا أنجو من للإساءة والتحرش والألفاظ السوقية من الشباب. حتى أخى، إذا رأى أننى متواجدة مع رفيقاتي، يتعصب ويصرخ، ويسألني 'أنتي واقفة ليه… يلا امشي مش عايزين تجيبلنا مشاكل في العيد " هو يفترض طوال الوقت أنه عند رؤيتي قد أتعرض لمضايقات، ينتظرني حتى لا أتعرض لأي سلوك غير لائق".
ومهما حاولت النساء التكيف مع معايير المجتمع وتنزع منهن حقهن في حرية اختيار ملابسهن ومظهرهن، فإنهن لا ينجون من التحرش، حتى لو ارتدين أكثر الملابس احتشامًا.
بعض النساء يختارن العبايات السوداء الفضفاضة، اعتقادًا بأن ذلك سيحميهن من نظرات المتحرشين وتعليقات وإيحاءات التحرش اللفظى، لكنهن يصطدمن بحقيقة أن المشكلة ليست فيما يلبسن، بل في عقول من يرونهن كهدف مشروع للمضايقات.
حتى التي ترتدي عباءة واسعة لا تسلم من همسات الشارع وتعليقاته، مثل: "تحت العباية حكاية" "العباية بتخبي كتير" "السواد ده عامل هيبة بس أكيد تحته مفاجأة"، هذه التعليقات تكشف عن كيف أن النساء يتم التعامل معهن كأهداف، دون النظر إلى هويتهن كأفراد. فاختيارات النساء في ملابسها، مهما كانت، يجب أن لا تكون سببًا لمراقبتها أو توجيه اللوم نحوها. إن المشكلة ليست في ما ترتديه النساء، بل في عقلية وسلطة تفرض نفسها حكمًا على تقييم النساء وتحديد اختياراتهن.
التحرش اللفظي والجسدي و الجنسي جريمة اجتماعية وأخلاقية لا تفرق بين زمان أو مكان، لكن في رمضان تأخذ هذه الظاهرة شكلاً مختلفًا، حيث يُلقى اللوم على النساء بدلًا من محاسبة الجاني. يتم تبرير التحرش من خلال الادعاء بأن "وجود النساء هو السبب"، أو أن "الملابس غير المحتشمة تُثير الشهوات"، رغم أن التحرش يحدث في جميع الظروف، بغض النظر عن ملابس النساء أو طبيعة سلوكهن.
و الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن المشكلة ليست في النساء، بل في العقلية التي تُصر على التعامل معهن كمُثيرات للفتنة، بدلًا من الاعتراف بحقهن التمتع بالحياة بشكل طبيعي. وحتى يحدث هذا التغيير، ستبقى النساء في كل رمضان، وفي كل عيد، يتحملن عبء مجتمعات تُبرر العنف ضدهن بدلاً من محاربته.