احنا هنا

١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

المجال الخاص المستباح: كيف يُعيد العنف المنزلي تشكيل علاقة النساء بالخوف وأدوات النجاة؟

قامت بكتبتها / فاطمة الزهراء محمد

أثار مقطع الفيديو المتداول مؤخراً، والذي يوثق محاولة رجلين من عمال التوصيل اقتحام منزل سيدة والاعتداء عليها، موجة عارمة من القلق الجماعي. لم تكن الصدمة نابعة من غرابة الفعل بقدر ما كانت تجسيداً لتهديد بنيوي مستمر؛ فالانتهاك هنا لم يحدث في الشارع أو الفضاء العام المستباح أصلاً، بل استهدف "المجال الخاص" وعتبة المنزل، وهي المساحة التي يُفترض أن تمثل الملجأ الأخير لأمان النساء


بفعل هذا المحفز الصادم، وتحت تساؤل مركزي: "ماذا لو كنتُ أنا الضحية القادمة؟"، انخرطت 3 مجموعات نقاشية - شبهة منظمة نسوية مشتركة ضمت 11 مشاركة لتفكيك هذه الديناميكية. نقاشات لم تقف عند حدود رصد الصدمة النفسية، بل حللت "تقاطعية الخوف" والطبقية، وبحثت في استراتيجيات النجاة البديلة وصناعة الأمان في ظل غياب الحماية المؤسسية. 



جغرافيا الخوف وتقاطعية الهشاشة


أعادت الحادثة تذكير النساء بحقيقة مقلقة: إن كاميرات المراقبة والمنظومات الأمنية داخل المجمعات أو البنايات لا توفر حصانة كاملة ضد العنف الجندري. المشهد الذي بدا متعمداً ومترصداً، فتح الباب لتحليل أعمق لـ "تقاطعية الهشاشة"؛ حيث تعيش النساء الأجنبيات واللاجئات خطراً مضاعفاً يمتزج فيه العنف القائم على النوع الاجتماعي مع غياب الدعم القانوني والاجتماعي. 


هذا التهديد يتخذ أبعاداً جغرافية وطبقية واضحة؛ فالنقاشات سلطت الضوء على واقع النساء في المدن الجديدة (مثل أسوان الجديدة)، حيث تساهم الكثافة السكانية المنخفضة والفراغ العمراني في عزل النساء وجعلهن أكثر عرضة للتهديد مع صعوبة تفعيل لآليات الاستغاثة الفورية. كما تم تفكيك البعد الطبقي للأمان؛ فالأدوات التكنولوجية ككاميرات المراقبة والأنظمة الذكية تفرض أعباءً مادية وإرهاقاً اقتصادياً يجعل من "الأمان الشخصي" امتيازاً طبقياً لا تملكه الغالبية. 



انسحاب اضطراري: "السبت" والشوارع كبدائل مفروضة


أظهرت المخرجات أن النساء يُجبرن على ابتكار استراتيجيات دفاعية يومية لتعويض غياب منظومات الحماية الرقمية والمجتمعية. هذا الاضطرار تمثل في اتخاذ قرارات حاسمة مثل الامتناع تماماً عن استقبال خدمات التوصيل في حالات التواجد الفردي داخل المنزل. 


وفي محاولة لترسيم حدود جديدة للمجال الخاص، تحولت أدوات تقليدية بسيطة مثل "السبت" (السلة المعلقة) من مجرد أداة منزلية إلى "حاجز أمان نسوي" يمنع الاحتكاك والاشتباك المباشر. وفي سياقات أخرى، اختارت مشاركات التخلي عن راحة الخدمة والنزول إلى الشارع العام للاستلام وسط المارة، وهي مفارقة واضحة؛ حيث تضطر النساء للجوء إلى الفضاء العام المزدحم هرباً من خطر محتمل في فضائهن الخاص. 



رأس المال يتربح.. والنساء والعمال يدفعون الثمن


حمّلت المجموعات النقاشية المسؤولية المباشرة لتطبيقات التوصيل والشركات الرأسمالية التي تعتمد سياسات عمل تعظم الأرباح على حساب الأمان الإنساني. المنظومة الحالية لا تقدم أي عناية حقيقية لحماية المستفيدات، وتفتقر لأبسط آليات التحقق والرقابة. 


لكن التحليل النسوي التضامني رفض الوقوع في فخ "شيطنة أو وصم" عمال التوصيل كفئة اجتماعية؛ إذ أكدت المشاركات أن المنظومة الرأسمالية الحالية تسحق الطرفين معاً. فالعاملون في هذا القطاع يواجهون شروط عمل مجحفة، غياباً للتأمين، ومرتبات هزيلة، مما يخلق بيئة هشة طاردة ومأزومة. وحذر التقرير من أن أي وصم اجتماعي شامل سيتسبب في أثر اقتصادي مدمر على آلاف الأسر التي تعتمد على هذا القطاع، مما يفاقم الأزمات الاجتماعية. 



نحو سياسات حماية جذرية: تنظيم المهنة وتقنينها


لم تكن التوصيات مجرد مطالبات تقنية، بل ركزت على ضرورة إعادة صياغة عقود العمل والمسؤولية المجتمعية عبر النقاط التالية 


الحق في المعرفة الرقمية: تفعيل تطبيقات آمنة وشفافة توفر معلومات كاملة وصوراً محدثة لهوية مقدم الخدمة، مع تفعيل أنظمة التتبع اللحظي وزر الاستغاثة (SOS) 


الفحص الهيكلي لا الأمني فقط: إلزام الشركات بتقديم مستندات رسمية دورية وصحيفة حالة جنائية محدثة، بالتوازي مع تحسين شروط العمل


التقنين والتنظيم النقابي: دعم إنشاء نقابة رسمية لعمال التوصيل تضمن تقنين الوظيفة، ورفع الأجور الهزيلة، وتوفير مظلة تأمينية عادلة، وخفض الضرائب، كخطوة أساسية لخلق بيئة عمل آمنة ومنعكسة إيجاباً على أمان المجتمع


أطر الحماية الملزمة: صياغة سياسات حماية جندرية ومجتمعية واضحة تلتزم بها الشركات قانونياً وجنائياً في حال حدوث أي انتهاك لبيانات أو أمان العملاء


مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
حين يصبح الضغط أسلوب حياة.
جميعنا مرت علينا أوقات صعبة ظهرت خلالها أعراض غريبة لم نفهم سببها: لماذا أصبحنا هكذا؟ وكيف نتخطى ما نمر به؟ السبب وراء كل ذلك غالبًا ما يكون آفة فتاكة نستهين بها، ألا وهي الضغوط اليومية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة كل إنسان هذه الضغوط – سواء كانت مادية أو اجتماعية – هي مشاعر […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
الابتزاز الإلكتروني… الفخ الذي يبدأ برسالة
رسالة واحدة قد تكون كافية لتغيير مجرى حياة، وصورة واحدة قد تسقط فتاة في دوامة من التهديد والابتزاز. إنها جريمة العصر الرقمي؛ الابتزاز الإلكتروني بكل أشكاله جريمة لا تحتاج إلى عنف جسدي كي تقتل، لأنها تستهدف ما هو أعمق: الثقة، والأمان، والكرامة تحول الابتزاز إلى كارثة مجتمعية يستغل فيها الجناة صوراً أو مقاطع خاصة، أو […]
قرائة المزيد