احنا هنا

٠٧ سبتمبر ٢٠٢٦

شائعة تكفي للموت 

قامت بكتبتها / اسماء امين

من أكثر القضايا حساسية وإلحاحًا في ملف العنف ضد المرأة: ما يسمى ب جرائم الشرف، أو كما ينبغي أن نسميها بلا تجميل: جرائم قتل لا مبرر يُخفف من وطأة الفعل، ولا "دافع نبيل" يستره — رغم كل ما نعيشه من تقدم، ما زالت هذه الجرائم تُرتكب باسم قيمة مُتخيَّلة اسمها "الشرف"


هذا المقال لا يقف في صف من يرتكب خطأ أو معصية. لكنه يرفض أن تتحول كلمة "الشرف" إلى أداة سيطرة على النساء، أو عقاب على سلوك تراه العائلة أو المجتمع خروجًا عن العرف — سواء كان هذا السلوك حقيقيًا أو مجرد شائعة. كم فتاة انتحرت، أو أُجبرت على الانتحار، خوفًا من عائلة تنتظرها بالقصاص؟ وكم فتاة كانت بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟



حين يتحول القتل إلى "شأن عائلي"


في بعض المجتمعات، تتعامل حتى الشرطة والقضاء مع هذه الجريمة كأنها شأن داخلي لا يجوز التدخل فيه ولا معاقبة فاعله. بل يحظى القاتل أحيانًا بتعاطف اجتماعي وكأنه عاد منتصرًا من معركة، لا مجرمًا يستحق العقاب. وحتى حين ترغب الأسرة نفسها في التسامح وإيجاد حل، تجد نفسها عاجزة أمام نظرة المجتمع ووصمة العار التي تلاحق جميع أفرادها — فتختار "تنظيف اسم العائلة" بالدم ليستطيع الباقون ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.


نتيجة هذا الضغط، شهدت دول عديدة في السنوات الأخيرة حملات من منظمات حقوق الإنسان أدت إلى إلغاء العقوبات المخففة وتشديدها على هذه الجرائم، باعتبارها — من منظور هذه المنظمات — شكلاً من أشكال العنف الموجه ضد النساء لا يبرره أي حديث عن "استعادة الشرف".



حين يكون "الشرف" ذريعة لا سبب


تكشف التحقيقات في عدد من قضايا قتل النساء في مصر أن الدافع الحقيقي وراء بعضها لا علاقة له بالشرف من الأساس، بل بالطمع في الميراث واستيلاء الأشقاء على ممتلكات شقيقاتهن — بينما يُستخدم "الشرف" كذريعة لتضليل الرأي العام والإفلات من المساءلة. هذا النمط موثق في عدد من القضايا المصرية التي تناولتها وسائل الإعلام، وإن كان يصعب تعميمه على كل واقعة دون تحقيق مستقل.


من الوقائع الموثقة في مصر:


جريمة أخميم، سوهاج (ديسمبر 2024): أقدم ثلاثة أشقاء على قتل شقيقتهم خنقًا ودفنها في منزل والدهم، ثم انتشال الجثة لاحقًا وإلقائها في النيل خشية افتضاح أمرهم، بعدما كشفت تسجيلات صوتية تخطيطهم للجريمة. برر المتهمون فعلتهم بالشك في سلوك شقيقتهم و"غسل العار".


جريمة أبو النمرس، الجيزة (يوليو 2025): تورط الأب والأم وأفراد آخرون من الأسرة في قتل فتاة في السابعة عشرة وفصل رأسها عن جسدها وإخفاء جثتها، بعد عودتها من رحلة تزوجت خلالها دون علم أسرتها. اعترف الأب بأن الدافع "غسل العار".



الموقف الديني والقانوني


في الشريعة الإسلامية، لا يوجد ما يُسمى "جرائم الشرف" أو "غسل العار" كمفهوم شرعي مستقل، بل يوجد ما يُعرف بإقامة الحد وفق شروط شديدة الصرامة والتعقيد — أبرزها اشتراط أربعة شهود عيان على الواقعة ذاتها. الشرع لم يُجِز أن يتحول المجتمع إلى غابة ينفذ فيها كل فرد ما يراه وفق العادات والتقاليد.


أما قانونيًا، فلا يعترف القانون المصري بأي مبرر لـ"القتل بدافع الشرف" — إذ تُصنَّف هذه الجرائم كقتل عمد، عقوبتها السجن المشدد أو الإعدام. وفي دول أخرى لا تزال تمنح تخفيفًا في العقوبة عند "حالة التلبس"، وإن كانت معظم الأنظمة الحديثة تتجه إلى تعديل هذه النصوص أو إلغائها بالكامل.



الأرقام: ظاهرة عالمية لا استثناء محلي


لا توجد إحصاءات دقيقة وموثوقة لعدد جرائم الشرف عالميًا نظرًا لتعقيد رصدها، لكن التقدير الأكثر تداولًا يعود لصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، الذي قدّر منذ عام 2000 وقوع نحو ٥٠٠٠ جريمة شرف سنويًا حول العالم — بينما ترى بعض المنظمات غير الحكومية أن الرقم الفعلي قد يصل إلى ٢٠ ألف جريمة، نظرًا لتسجيل كثير من هذه الحالات كحوادث انتحار أو وفيات عادية.


هذا الرقم منفصل عن إحصاء آخر أوسع، هو ما تكشفه تقارير الأمم المتحدة (UN Women وUNODC) عن العنف الأسري القاتل ضد النساء بشكل عام: امرأة أو فتاة تُقتل كل ١٠ دقائق تقريبًا حول العالم على يد شريك أو أحد أفراد أسرتها — وتسجل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معدلات مرتفعة ضمن هذه الظاهرة الأوسع، التي تندرج جرائم الشرف ضمن أحد أشكالها لا كل صورها.


والقاسم المشترك في أغلب هذه الجرائم أنها تُبنى على الشك أو الشائعة، لا على التلبس الفعلي — وكم من فتاة كانت ضحية شائعة لا أكثر، خاصة في الأرياف والقرى حيث يشكّل العرف مبررًا قويًا في نظر بعض الأسر لتبرير الجريمة بعيدًا عن القضاء، ومحاولة كسب التعاطف للجاني.



الكارثة الصامتة: أطفال بلا هوية


من أخطر الآثار الجانبية لهذه المنظومة القمعية أطفال يُتركون في الشوارع أو أمام المساجد، ينشأون تحت وطأة نظرة مجتمعية قاسية تصفهم بأقسى الألفاظ — كلمة تعمل كسلاح يقتل من يسمعها من هؤلاء الأطفال الأبرياء. هل يُعقل أن تتحول لحظة ضعف إنسانية إلى "قنبلة موقوتة" تهدد المجتمع بأكمله؟ هذا سؤال يستحق وقفة جادة، لا تجاهلًا.



الخلاصة


القتل ليس حرية شخصية، ولا "الشرف" مبررًا له تحت أي مسمى. ولا يمكن الاكتفاء بتجريم الفعل بعد وقوعه — المطلوب حل جذري يبدأ من جهتين: الدولة من الناحية القانونية، والمؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة من الناحية التوعوية والدينية، حماية للأجيال القادمة من دائرة عنف تتوارثها الأسر باسم قيمة لم تكن يومًا تعني القتل

مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
من “التوطين” إلى “شروط صندوق النقد”.. تفكيك الروايات المضللة حول اللاجئين السودانيين في مصر
“الحكومة تريد توطين اللاجئين في مصر”.. “توطين السودانيين جزء من شروط القروض (صندوق النقد الدولي)”..”مش مهم صحة الست المصرية، المهم السودانيات ياخدوا مكانا في العلاج وكل حاجة.. خطة توطين واضحة”.. تلك عينة من المعلومات المضللة التي لا تزال تُمرر حتى الآن على منصات التواصل الاجتماعي منذ إعلان مستشفى “بهية” لعلاج سرطان الثدي عن تعاونها مع […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
ما بعد المخاض.. ندوب لا تراها العين
نحن أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في ملف صحة المرأة في مصر: عنف التوليد، المصطلح الذي يستخدمه المختصون في الصحة وحقوق المرأة لوصف كل صور سوء المعاملة التي تتعرضنن لها النساء أثناء الحمل والولادة — من التجاوز اللفظي والنفسي إلى الاعتداء الجسدي والتدخل الطبي غير المبرر. الأرقام التي لا يمكن تجاهلها الولادة القيصرية كخيار […]
قرائة المزيد