نحن أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في ملف صحة المرأة في مصر: عنف التوليد، المصطلح الذي يستخدمه المختصون في الصحة وحقوق المرأة لوصف كل صور سوء المعاملة التي تتعرضنن لها النساء أثناء الحمل والولادة — من التجاوز اللفظي والنفسي إلى الاعتداء الجسدي والتدخل الطبي غير المبرر.
الولادة القيصرية كخيار افتراضي، لا استثناء طبي تُصنَّف مصر من بين أعلى دول العالم في معدلات الولادة القيصرية، إذ تجاوزت النسبة ٧٢٪ من إجمالي الولادات بحسب أحدث المسوح الرسمية، مقارنة بـ٥٢٪ عام ٢٠١٤ فقط — أي أن المعدل تضاعف تقريبًا خلال أقل من عقد. وترتفع النسبة في القاهرة إلى مستويات أعلى من المعدل القومي. هذا الرقم يفوق بأضعاف الحد الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (١٠-١٥٪)، وهو ما يعني أن أغلب هذه العمليات لا تُجرى لضرورة طبية، بل لأسباب اقتصادية بحتة: العائد المادي للقيصرية أعلى من الولادة الطبيعية، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة.
التدخلات الطبية العنيفة تنتشر ممارسات مثل شق العجان الروتيني دون مبرر، والضغط العنيف على بطن الحامل، وتقييدها في السرير أثناء الولادة — إجراءات تتم غالبًا دون تخدير كافٍ أو تفسير للمريضة.
غياب الموافقة الحرة والمستنيرة بحسب تقارير منظمات مجتمع مدني، منها مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون ومؤسسة "شريكة ولكن"، فإن ٧ من كل ١٠ نساء خضعن لفحوصات مهبلية دون إذنهن أو علمهن، ولم تُبلَّغ ٦٣٪ منهن بسبب الفحص من الأساس، فضلًا عن غياب أي شخص مرافق أثناء العملية عند الحاجة.
العنف أثناء الحمل أشارت دراسة أُجريت في محافظة المنيا إلى أن أكثر من نصف الحوامل يتعرضن لشكل من أشكال العنف: نفسي بنسبة ٤٥٫٤٪، وجسدي ٣٠٫٢٪، وجنسي ٢٠٪ (النسب غير حصرية، إذ قد تتعرض المرأة الواحدة لأكثر من نوع).
الإهمال والتجاهل شكوى المريضة من الألم كثيرًا ما تُقابَل بألفاظ قاسية بدلًا من الاستجابة الطبية، وأشار عاملون في القطاع الصحي نفسه إلى ممارسة بعض الطواقم لهذه الانتهاكات.
التمييز على أساس السن والوضع الاجتماعي تتعرض الحامل الأكبر سنًا أحيانًا للسخرية، بينما تُعامَل النساء الأكثر فقرًا بدونية وإهمال ملحوظ. فهل أصبح الفقر مبررًا لسوء المعاملة؟ وإلى متى يبقى هذا النوع من الكوادر في مواقع رعاية النساء؟ المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يحكم غرفة الولادة هو الإنسانية.
على الأم: صدمة نفسية، اكتئاب وقلق، خوف من الحمل مجددًا أو تكراره، وفقدان الثقة في المنظومة الصحية بأكملها — حكومية كانت أو خاصة. وفي الحالات الأشد، يؤدي النزيف الحاد الناتج عن خطأ طبي إلى استئصال الرحم، إما بسبب تدخل غير مبرر أثناء الولادة، أو خطأ في استئصال أورام ليفية، أو — في حالات موثقة قضائيًا — انتحال أشخاص لصفة أطباء نساء وتوليد. ومن الوقائع التي فصلت فيها المحاكم: إلزام طبيبة بتعويض مريضة نصف مليون جنيه عن خطأ طبي أثناء الولادة تسبب في نزيف حاد أدى إلى استئصال رحمها.
على المولود: نقص الأكسجين وتلف دماغي بسبب التأخر في إجراء قيصرية طارئة، إصابات عصبية وعظمية كتلف الضفيرة العصبية المؤدي إلى شلل الذراع أو ضعفه، وتأخر في الإنعاش قد يخلّف آثارًا بالغة الخطورة.
الأمومة حلم تحمله كل امرأة، بصرف النظر عن وضعها الاجتماعي أو المادي — وقد يكون الحلم الأول والأهم في حياتها. فهل تساوي أي تعويضات مالية ما يُفقَد حين يتحول هذا الحلم إلى صدمة؟ نساء كثيرات دفعن الثمن الأغلى حين تحطّم هذا الحلم بين أيديهن.
توجد جهات تقدم الدعم اليوم: منظمات حقوقية مثل مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون تقدّم دعمًا نفسيًا وقانونيًا للناجيات، كما يوفر المجلس القومي للمرأة خطًا ساخنًا (١٥١١٥) لتلقي الاستفسارات والدعم المباشر.
لكن الدعم بعد الواقعة لا يكفي. المطلوب إصلاح جذري في ثقافة التعامل داخل غرف الولادة، ومساءلة حقيقية لمن يخرقون أبسط حقوق المريضة، حتى تستعيد النساء ثقتهن في أن لحظة ميلاد أطفالهن لن تتحول إلى تجربة إيذاء.
ا