عندما تركز كاميرات المباراة على شكل ومظهر المشجعة، ويطمس المعلق والجمهور هويتها كمشجعة لها انتماء ورأي ومشاعر
تُعد كرة القدم واحدة من أكثر الرياضات شعبية في العالم، وهي في الأصل مساحة تجمع مختلف فئات المجتمع دون تمييز. ومن هذا المنطلق، فإن المرأة لها الحق الكامل في حضور المباريات وتشجيع منتخب بلادها، وتستحق الاحترام والأمان داخل المدرجات، ولا ينبغي أن يكون وجودها سببًا للتعرض للتمييز أو اختزالها في مظهرها الخارجي فقط.
ومن هنا جاءت زاوية هذا الموضوع، إذ نتناول مشكلة تعاني منها المرأة المشجعة داخل المدرجات، تتمثل في اختزالها الواضح في مظهرها الخارجي فقط.
أولًا: اختزال المشجعة في نظر الجمهور
عند رؤية امرأة مشجعة مهتمة بمظهرها الخارجي باعتباره جزءًا من اهتمامها بنفسها، قد تتعرض لبعض المضايقات، وأحيانًا المعاكسات، دون أن تجد مساحة آمنة. وغالبًا ما يسود نقاش مفاده أن هؤلاء الفتيات حضرن فقط من أجل التقاط الصور التذكارية أو صناعة مقاطع "تيك توك"، مع تقليل واضح من كونهن يمتلكن معرفة كروية، وعدم احترام لكونهن جئن لإسناد منتخبهن وتعبيرًا عن شغفهن بكرة القدم، تمامًا كما يفعل المشجع الرجل.
فالمرأة المشجعة لديها أيضًا مشاعر وأحاسيس وانتماء تجاه منتخبها، وليس صحيحًا أنها جاءت إلى المباراة بمظهر جذاب فقط من أجل لفت انتباه الناس، أو أنها ترى في المباراة مجرد فسحة ترفيهية.
ثانيًا: دور المعلقين والإخراج التلفزيوني
كثيرًا ما تركز كاميرات المباراة على امرأة جميلة المظهر أثناء مجريات اللقاء، وإذا خسر منتخبها يعلق أحد المعلقين قائلًا: "حرام... هذه الفتاة ستعود إلى بيتها حزينة." وقد يردد الجمهور في المقاهي أو أماكن المشاهدة العبارة نفسها.
ورغم أن ظاهر هذه العبارة يبدو تعزيزًا للمرأة أو مجاملة لجمالها، فإن مضمونها في الغالب يعكس اختزال المشجعة في مظهرها الخارجي. فلماذا لا يحدث رد الفعل ذاته – "حرام... ستعود حزينة" – حين تنتقل الكاميرا إلى امرأة بسيطة المظهر، رغم أن انتماءها الكروي وشغفها بكرة القدم قد لا يقلان عن غيرها؟
الحقيقة أن التعليق غالبًا ما يُوجَّه إلى صاحبة المظهر الجمالي لأنها لفتت الانتباه بشكلها فقط، دون النظر إلى خلفيتها أو انتمائها الكروي. وهذا ظلم كبير للمرأة، لأنه يحصرها في شكلها الخارجي فقط داخل عالم كرة القدم.
الأسئلة التي طُرحت حول الظاهرة وإجاباتها
السؤال الأول: لماذا يركز المعلقون والمشجعون من الرجال والمخرجون على المشجعات الجميلات؟ لأنها – باختصار – تُحدث لقطات جذابة بصريًا تزيد من تفاعل الجمهور. لكن هذه الإجابة تكشف في الوقت ذاته عن تمييز واضح، يتمثل في اختيار المشجعات الجميلات دون غيرهن ممن لهن الحق نفسه في الظهور بوصفهن مشجعات لمنتخب بلادهن. فمن المفترض ألا يكون هناك فرق بين "مشجعة" و"مشجعة جميلة"، أو حتى بين مشجع ومشجعة، من وجهة نظر المخرج. وحتى المشجعات اللاتي يقع عليهن الاختيار لا يسلمن من التمييز والاستغلال، إذ يُنظر إليهن بوصفهن جميلات المظهر فقط، دون التفات إلى أن كثيرًا منهن يمتلكن معرفة كروية وقدرة على تحليل المباراة، بينما تُستغل صورهن على اعتبار أنها تزيد من تفاعل الجمهور، وكأنهن سلعة إعلامية أو تجارية.
السؤال الثاني: هل تختلف طريقة وصف المشجعات النساء عن وصف المشجعين الرجال؟ في كثير من الحالات، نعم. فالرجال غالبًا ما يوصفون بحماسهم أو انتمائهم، بينما تُوصف النساء بجمالهن أو أناقتهن الخارجية أولًا، قبل الحديث عن تشجيعهن، دون التفات إلى حماسهن أو دعمهن لمنتخب بلادهن.
السؤال الثالث: هل تتحول المشجعة إلى مجرد لقطة جميلة تُؤخذ للتفاعل؟ أحيانًا يحدث ذلك، حين يقتصر التركيز على مظهرها الخارجي فقط، دون أي اهتمام برد فعلها الكروي أو ارتباطها الحقيقي بالمباراة بوصفها مشجعة.
السؤال الرابع: كيف تشعر المشجعات عندما يُعلَّق على مظهرهن بدلًا من مشاعرهن أو دعمهن لمنتخبهن؟ عند طرح هذا السؤال على منار محمود (اسم مستعار)، التي لم تحضر مباراة من قبل كمشجعة داخل المدرجات لكنها تتابع كرة القدم بشغف وتهتم بالأحداث الكروية والبرامج الرياضية، قالت: "قد ترى بعض الفتيات أن الأمر عادي أو مجرد مجاملة، بينما تشعر أخريات بأنهن لا يُنظر إليهن كمشجعات حقيقيات لكرة القدم، بل كوسيلة لجذب الانتباه أو التقاط الصور والمقاطع الكوميدية لنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي." وأضافت: "من المؤكد أن هناك فتيات يمتلكن معرفة كروية أكبر من بعض المشجعين الرجال، لكن عند إجراء مناظرة أو حوار كروي، غالبًا ما يُفضَّل الحوار مع رجل مشجع، ولا يتم اختيار المرأة المشجعة."
السؤال الخامس: هل يرسخ ذلك فكرة أن قيمة المرأة مرتبطة بشكلها أكثر من اهتمامها أو معرفتها الرياضية؟ نعم. فبعد كل ما سبق، من الممكن أن يعزز هذا السلوك فكرة أن حضور المرأة في المدرجات يُقاس بمظهرها أكثر من اهتمامها بالرياضة أو انتمائها الحقيقي لمنتخبها.
السؤال السادس: ما دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة؟ تتضخم الظاهرة عبر إعادة نشر صور المشجعات الجميلات، مرفقة بتعليقات تتناول الشكل فقط. وقد تنتشر الصورة أكثر من أي نقاش يتعلق بالمباراة نفسها، فتتحول المشجعة إلى مادة متداولة على مواقع التواصل، بينما يُهمَل الحديث عن المباراة التي جاءت أصلًا لتشجيعها.
السؤال السابع: كيف تنظر المنظمات المعنية بحقوق المرأة إلى هذا النوع من التغطية؟ بعد البحث، تبيّن أن هذه المنظمات لا تنزعج غالبًا من قيام الكاميرات بتصوير المشجعات، وإنما يكون الاعتراض حين يتم اختزالهن في المظهر الخارجي، مع إغفال دورهن كمشجعات لهن آراء وانتماء ومشاعر.
السؤال الثامن: ما المسؤولية المشتركة بين الإعلام والجمهور في تغيير هذه الثقافة؟ يمكن للإعلام والجمهور المساهمة في تغيير هذه الثقافة من خلال استخدام لغة محايدة، وتقديم المشجعات باعتبارهن جزءًا من الجمهور الداعم للمنتخب، والتركيز على شغفهن بكرة القدم، والابتعاد عن أي تعليقات تربط قيمتهن بمظهرهن الخارجي فقط.
التوصيات
استخدام لغة إعلامية محايدة عند التعليق على المشجعات داخل المدرجات
التركيز على انتماء المشجعات وردود أفعالهن تجاه المباراة، لا على مظهرهن فقط
تجنب تقديم المرأة باعتبارها عنصرًا لجذب المشاهدات أو زيادة التفاعل الإعلامي
تشجيع المخرجين والمعلقين على التعامل مع المشجعات باعتبارهن جزءًا من الجمهور الرياضي، لا مادة للترفيه البصري
رفع وعي الجمهور، عبر الإعلام ومنصات التواصل، بأهمية احترام المرأة المشجعة وعدم اختزالها في شكلها الخارجي
التأكيد على أن قيمة المشجعة تُقاس بانتمائها وشغفها بالرياضة، لا بمظهرها أو درجة جمالها
تقديم تغطيات إعلامية تبرز مشاعر المشجعات أثناء المباريات، وتُظهر فرحهن وحزنهن وتفاعلهن الحقيقي مع أحداث اللقاء
إجراء لقاءات صحفية مع المشجعات حول كرة القدم، تبرز مدى اهتمامهن وشغفهن باللعبة، بعيدًا عن التركيز على المظهر الخارجي
إبراز قصص سفرهن والمشقة التي يواجهنها من أجل دعم ومساندة منتخب بلادهن حين تُقام البطولات خارج البلاد، مثل كأس العالم؛ فمن الظلم بعد كل هذه المعاناة أن تُختزل المرأة في مظهرها الخارجي فقط
التوقف عن استخدام عبارات تختزل المرأة في جمالها داخل المدرجات، مثل: "حرام هذا الجمال يطلع زعلان"، فهذه العبارة توحي بأن حزنها أصبح مهمًا فقط بسبب جمالها، وكأن المرأة العادية الشكل – وفق نظرة البعض – لا بأس أن تحزن؛ والحقيقة أنها، مثل أي مشجع، تمتلك شغفًا كبيرًا بكرة القدم وتشعر بحزن حقيقي بسبب خسارة منتخبها
الخاتمة
في النهاية، تبقى المشكلة الحقيقية ليست في وجود النساء داخل المدرجات، بل في الطريقة التي ينظر بها البعض إليهن. فعندما ينصبّ اهتمام بعض المشجعين أو المعلقين على المظهر الخارجي للمشجعات أكثر من تشجيعهن وانتمائهن لمنتخباتهن، تتحول المرأة من مشجعة لها شغف رياضي إلى مجرد عنصر للفت الانتباه.
هذه النظرة لا تنتقص من حق المرأة في التشجيع فحسب، بل قد تُغفل حقيقة أن كثيرًا من المشجعات يحضرن المباريات بدافع الانتماء والحماس لكرة القدم، مثلهن مثل الرجال. لذلك، فإن احترام المشجعات يبدأ بالتعامل معهن بوصفهن جزءًا أصيلًا من الجمهور، لا باعتبار أن مظهرهن هو القصة التي تستحق الاهتمام.