احنا هنا

٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

جغرافيا : لماذا تفشل “المشنقة” في حماية النساء حين يربح الفقر؟

قامت بكتبتها / فاطمة الزهراء محمد

كلما تصفّحنا منصات التواصل الاجتماعي، تصفعنا مشاهد العنف المتواترة؛ دماءٌ تسيل في اعتداءات جسدية، وجرائم اغتصاب وحشية، وعنف أسري يُمارَس خلف الأبواب المغلقة وخارجها. أمام هذا السيل من الانتهاكات التي تستهدف أجساد النساء وحيواتهن، يتبادر إلى أذهاننا سؤال قانوني وفلسفي حارق: أين الخلل؟


قامت الفلسفة القانونية تاريخياً على ركيزتين: زجر الجريمة وردع المجتمع، لتصبح "العقوبة" وسيلة لبلوغ الأمان والاستقرار. غير أن الفلاسفة والفقهاء انقسموا حيال هذه الغاية؛ فبينما ركّزت المدرستان التقليدية والجديدة على فلسفة الردع والعدالة المجردة، ملتفتةً إلى الجريمة بذاتها ومتغافلة عن أنسنة القوانين، نادت المدرسة الوضعية وحركة الدفاع الاجتماعي بضرورة الإصلاح، والالتفات إلى شخص المجرم وظروفه، بل والمطالبة أحياناً بإلغاء العقوبات التقليدية لصالح تدابير علاجية.


في الواقع المصري، نعيش مفارقة صارخة: فرغم أن المشرّع استلهم ترسانة عقابية صارمة، ورغم السرعة المشهودة للأجهزة الأمنية والقضائية في احتواء هذه الجرائم وضبط الجناة، إلا أن العنف ضد النساء لا يتوقف، بل يتكاثر ويتوالد مستحدثاً أنماطاً وأشكالاً أكثر سادية.


تكشف القراءة الفاحصة لهذه الجرائم كما تتصدّر الفضاء الرقمي أنها تتركز، في الانطباع العام على الأقل، في بيئات ومناطق جغرافية بعينها — وإن كان لا بد من التحفظ هنا: فما يتصدّر التداول على وسائل التواصل مدفوع بمنطق الانتشار (virality) لا بالتمثيل الإحصائي الدقيق، وليس بالضرورة مرآة أمينة للتوزيع الفعلي للجريمة جغرافياً. لكن هذا التحفظ المنهجي لا ينفي الاتجاه العام الذي ترصده الأدبيات المتخصصة، والذي يقودنا إلى سردية الفقر والتهميش.


فقد أظهرت مراجعات "ما الذي ينجح؟" (What Works to Prevent Violence) أن الفقر يُصنَّف من بين المحركات البنيوية الأساسية للعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب اللامساواة بين الجنسين وتطبيع العنف داخل العلاقات، وهي عوامل تتقاطع وتتغذى من بعضها البعض. كذلك خلصت مبادرة أبحاث العنف الجنسي (SVRI) بالشراكة مع البنك الدولي إلى أن الفقر "عامل خطر" مرتبط بالعنف القائم على النوع، يتقاطع مع اللامساواة الجندرية ويعزّزها. ودراسات ميدانية أخرى، من المستوطنات العشوائية في أديس أبابا ودكا وبورت-أو-برنس، رصدت كيف يتقاطع الحرمان الاقتصادي الحاد والتدهور البيئي للأحياء غير الرسمية مع ارتفاع معدلات العنف الجنسي والجسدي، مدفوعاً بحالة الإحباط الناتجة عن الضغط الاجتماعي والتفكك المؤسسي والأبوي معاً.


وبعبارة أخرى: الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل "عامل خطر بنيوي" -  كما ترصده هذه الأدبيات - يحفّز السلوك الانحرافي والعنيف ضد الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسهن النساء والفتيات؛ وإن كانت العلاقة بين الفقر والجريمة، كما تُظهر المراجعات النقدية لهذا الحقل، أعقد من كونها علاقة طردية بسيطة، إذ تتوسطها متغيرات اللامساواة والنوع الاجتماعي والسياق الثقافي معاً.


من هنا، يصبح من الوهم المراهنة على المقاربة الأمنية أو العقابية الصرفة لإنقاذ النساء. فحماية المرأة وإيقاف نزيف العنف يتطلبان ما هو أبعد من مجرد نصوص تشريعية جافة؛ يتطلبان استراتيجية علاجية وطنية تدمج التنمية الاقتصادية المستدامة بالعدالة التوزيعية، وتُعنى تحديداً بالأحياء والمناطق الأكثر تهميشاً عبر برامج تمكين اقتصادي للنساء تحديداً — كما أوصت أدبيات مثل SVRI/البنك الدولي بشأن التمكين الاقتصادي كمدخل مباشر للحد من العنف — إلى جانب تجفيف المنابع البيئية والتعليمية الحاضنة للجريمة. فالقانون وحده لا يحمي النساء، ما لم تحمهن بيئة اجتماعية واقتصادية تضمن كرامة الجميع، ومؤسسات تنفيذية محددة تترجم هذه الرؤية إلى برامج قابلة للقياس والمساءلة.


مقالات اخري

article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
خلف جدران “بيت العيلة”: عندما يتحول عقد الزواج إلى “صك تسخير” غير مشروط
تبدأ رحلة كل فتاة مقبلة على الزواج بحلم بسيط ومشروع: بيت مستقل، حياة هادئة، وشريك يتقاسم معها تفاصيل الأيام بحلوها ومرها داخل مملكتها الخاصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية. لكن هذا الطموح الوردي سرعان ما يتبخر ليتحول إلى سراب بعيد المنال بمجرد تخطي عتبة “عش الزوجية”. في لمحة عين، تجد الفتاة نفسها أمام واقع يفرض عليها […]
قرائة المزيد
article 1
١٨ أكتوبر ٢٠٢٠
شبح السكن يلاحق الطالبات المغتربات: كيف يتحول طموح الاستقلال والتعليم إلى رحلة استغلال؟
من منا لم يكن حلمها الالتحاق بالجامعة لتحقيق آمالها، والتخرج لبناء كيانها المستقل وإثبات ذاتها في سوق العمل؟ هذا الطموح المشهود للفتيات يصطدم فور تحققه بواقع مظلم يبتعد تماماً عن الصورة الوردية التي رسمتها المخيلة، واقع تفرضه أزمة منسية تؤرق مضاجع الطالبات وأسرهن، وهي “معاناة السكن الاغترابي” تواجه كل طالبة مغتربة تخرج من بيتها معادلة […]
قرائة المزيد