على الرغم من التقدم التشريعي النسبي الذي شهدته مصر في عدد من الملفات المرتبطة بحقوق الإنسان، لا تزال ما يُعرف بـ«جرائم الشرف» من أكثر القضايا المسكوت عنها، قانونيًا واجتماعيًا فهذه الجرائم، التي تُرتكب غالبًا ضد النساء والفتيات بذريعة الحفاظ على «سمعة العائلة»، تكشف عن بنية ثقافية وقانونية معقدة لا تكتفي بتسهيل العنف، بل تُعيد إنتاجه، عبر التعامل معه في بعض السياقات باعتباره فعلًا «مفهومًا» أو «مبررًا» اجتماعيًا، لا جريمة قتل مكتملة الأركان
ولا يمكن فصل الانتشار النسبي لجرائم الشرف، لا سيما في صعيد مصر، عن السياق الاجتماعي والثقافي السائد، حيث لا يزال مفهوم «الشرف» مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسلوك النساء الجنسي والاجتماعي، في مقابل تصوير الرجل بوصفه «حامي الشرف» لا موضوعًا للمساءلة. وبحسب تقارير صحفية، من بينها تقارير نشرتها المصري اليوم، فإن عددًا كبيرًا من الجرائم الموثقة في محافظات الصعيد وقعت في غياب أي دليل قاطع على ما يُسمى «السلوك المشين»، واعتمدت في الأساس على الشكوك أو الإشاعات المتداولة داخل الدوائر العائلية أو المجتمعية
ويندرج ما يُعرف بجرائم «الشرف» ضمن فئة أوسع من الجرائم يُطلق عليها دوليًا «قتل النساء المرتبط بالنوع الاجتماعي» وهي من أكثر أشكال العنف ضد النساء تطرفًا ووحشية ولا تقتصر هذه الجرائم على سياق ثقافي أو جغرافي بعينه، بل تُسجَّل في مختلف أنحاء العالم، وتُعرّفها الأمم المتحدة باعتبارها انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة قائمًا على التمييز الجندري
وفي هذا الإطار، أصدرت كل من مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات وهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة وثيقة مرجعية في مارس 2022 بعنوان «الإطار الإحصائي لقياس قتل النساء المرتبط بالنوع الاجتماعي»، وضعت أربعة معايير أساسية لتوصيف هذه الجرائم. تشمل هذه المعايير: أولًا، أن تكون الضحية امرأة قُتلت على يد شخص آخر (المعيار الموضوعي ثانيًا، توافر نية القتل لدى الجاني (المعيار الشخصي) ثالثًا، عدم مشروعية الفعل وفق القانون (المعيار القانوني)، وهي شروط تنطبق على جرائم القتل العمد عمومًا.
أما المعيار الرابع، والأكثر خصوصية، فيتمثل في الدافع الجندري، أي أن يكون القتل مرتبطًا بسياق تمييزي قائم على النوع الاجتماعي. ويشير هذا الدافع إلى منظومة من العوامل البنيوية، من بينها أيديولوجيات تفوق الذكور واستحقاقهم السيطرة، أو السعي إلى فرض السلطة الذكورية، أو معاقبة النساء على سلوكيات يُنظر إليها باعتبارها «غير مقبولة» اجتماعيًا أو خارجة عن الأدوار النمطية المفروضة عليهن
وتؤكد منظمات حقوقية مصرية، مثل مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية (CEWLA)، أن ما يُسمى بجرائم الشرف هو في جوهره قتل متعمد، يجب التعامل معه بوصفه جريمة مكتملة الأركان، لا استثناء فيها ولا مبرر وتشدّد المنظمة على أنه «لا يوجد شرف في إزهاق روح إنسان»
تُظهر التحليلات الاجتماعية أن مفهوم «الشرف» في السياق المصري لا يُستخدم بوصفه معيارًا أخلاقيًا شاملًا، بل كأداة انتقائية تُسلَّط على النساء على وجه الخصوص. فقد يُعرف رجل بالعنف أو الفساد أو السرقة، دون أن تُمس «سمعته» الاجتماعية، بينما قد تُقتل امرأة بسبب مكالمة هاتفية أو شائعة عابرة. وتصف الفيلسوفة النسوية سيمون دي بوفوار هذا الاختزال بقولها: «عندما تُختزل المرأة في جسدها، يُنتزع عنها إنسانيتها». وهو اختزال يُعيد إنتاج العنف، ويحوّل الجسد الأنثوي إلى ساحة صراع رمزي تُمارَس عليها السلطة باسم الأخلاق
في المجتمعات الأبوية، لا يعمل مفهوم «العار» باعتباره قيمة أخلاقية، بقدر ما يعمل كآلية للضبط الاجتماعي تُراقَب النساء باستمرار، وتُفرض عليهن قيود الحركة والسلوك، ويُستخدم التهديد بالنبذ أو العنف لضمان الامتثال. والأخطر أن هذه المنظومة لا تُفرض دائمًا من الرجال وحدهم، بل تُعاد إنتاجها أحيانًا عبر الأمهات والقريبات، في ما يشبه «التواطؤ القسري» مع نظام لا يتيح بدائل آمنة
لا تقتصر آثار جرائم الشرف على الضحايا المباشرات، بل تمتد لتشمل النساء والفتيات كافة، عبر خلق مناخ دائم من الخوف والرقابة الذاتية وتشير دراسات نفسية إلى أن العيش تحت تهديد مستمر بفقدان الحياة أو «السمعة» يؤدي إلى القلق المزمن، واضطرابات الاكتئاب، وتدني تقدير الذات. كما تنعكس هذه المنظومة على فرص التعليم والعمل، لا سيما في الصعيد، حيث تُستخدم «السمعة» ذريعة لمنع الفتيات من استكمال تعليمهن أو الالتحاق بسوق العمل
و في هذا السياق، تواجه النساء ما يمكن وصفه بـ«عدالة مجتمعية» غير منصفة، تُعاقَب فيها المرأة وحدها وكأنها الطرف المذنب دائمًا، وتُعلَّق عليها جميع أسباب ما يُعتبر «الفعل الفاحش»، بينما يظل الرجل—حتى حين يكون محرضًا أو شريكًا—بعيدًا عن المساءلة الاجتماعية والعقاب يُسمح له باستكمال حياته، والزواج، والاندماج مجددًا في المجتمع، في حين تتحمل المرأة وعائلتها عبء «العار» كاملًا
ولا يعني نقد هذه المنظومة الدفاع عن أي سلوك عنيف أو قهري، بل المطالبة بعدالة مجتمعية حقيقية، تُحاسب جميع الأطراف على قدم المساواة حين يثبت التورط، دون تحيز أو انتقائية فالعقاب العادل والمتوازن هو شرط أساسي لضمان حق النساء في المساواة والحماية تكشف جرائم «الشرف» في مصر عن أزمة أعمق من مجرد خلل قانوني؛ إنها أزمة منظومة قيم تُحمِّل النساء عبء أخلاق المجتمع، وتمنح الرجال سلطة العقاب وتفكيك هذه الظاهرة يتطلب مواجهة صريحة مع الثقافة السائدة، إلى جانب إرادة سياسية وتشريعية تحمي الحق في الحياة دون استثناء فالمجتمع الذي يبرر قتل نسائه باسم «الشرف» لا يكرّس سوى العنف، ويقوّض أسس العدالة ذاتها