منذ آلاف السنين، تشكّلت المجتمعات الإنسانية الأولى داخل أطر قبلية مغلقة، حيث كانت القبيلة تمثل وحدة الأمان والانتماء والحماية في غياب القوانين المكتوبة والمؤسسات المنظمة، برز مفهوم "الشرف" بوصفه رأس مال رمزي يحفظ مكانة القبيلة وسط غيرها ومع الوقت، لم يعد الشرف قيمة أخلاقية عامة، بل تحوّل تدريجيًا إلى عبء ثقيل أُلقي على جسد النساء تحديدًا، حتى صار شرف الجماعة بأكملها معلقًا بسلوك نسائها، وكانت النساء لم تعد إنسانًا كامل الأهلية، بل رمزًا يجب ضبطه وحراسته
ربطت العادات القبلية القديمة الشرف بعفة النساء لاعتبارات عملية بحتة؛ ففي مجتمعات لا تعرف تحليل الحمض النووي ولا تمتلك نظمًا قانونية واضحة، كان جسد المرأة يُنظر إليه باعتباره "الدليل" الوحيد على نقاء النسب واستمرارية اسم القبيلة من هنا بدأت مراقبة النساء والتحكم في حركتهن وفرض قيود صارمة على سلوكهن، ليس بدافع أخلاقي خالص، بل خوفًا من اختلاط الأنساب وضياع السلطة والملكية. المشكلة لم تكن في الحرص على القيم، بل في اختزال الشرف كله داخل جسد أنثوي واحد.
تشير دراسات الأنثروبولوجيا الاجتماعية، مثل أعمال عالم الأنثروبولوجيا جوليان بيت-ريفرز، إلى أن الشرف في المجتمعات التقليدية كان مفهومًا جماعيًا مرتبطًا بالسمعة والسلطة، لا بالأخلاق الفردية إلا أن هذا المفهوم، مع صعود البُنى الأبوية، أُعيد توجيهه ليتمحور حول النساء باعتبارهن الحلقة الأضعف في منظومة القوة
مع تطور المجتمعات وتغير شروط العيش، لم تختفِ هذه الفكرة، بل أُعيد إنتاجها في صور أكثر قسوة. ما كان في الأصل ممارسة مرتبطة بالبقاء، تحوّل إلى عقيدة اجتماعية مقدسة لا يجوز مساءلتها لعب المجتمع الأبوي دورًا مركزيًا في هذا التحول؛ إذ لم يكتفِ بوراثة الفكرة، بل ضخّمها ونسج حولها خطابًا دينيًا وأخلاقيًا انتقائيًا يخدم استمرار السيطرة الذكورية
في هذا الإطار، لم تعد النساء افردًا مسؤولة عن أفعالها مثل الرجل، بل صارت وعاءً للشرف الجمعي أي تصرف يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن القواعد يُفسَّر باعتباره تهديدًا مباشرًا لسمعة العائلة، بينما تُغفَر تصرفات الرجل أو تُبرَّر أو تُهمَل. هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا ارتبط الشرف في مجتمعاتنا بجسد المرأة لا بأخلاق الإنسان؟
في جوهره، الشرف قيمة أخلاقية تتعلق بالصدق والأمانة واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية لكن المجتمع الأبوي أعاد تعريفه بصورة انتقائية، فاختزله في السلوك الجنسي للمرأة وحدها، متجاهلًا أشكالًا أخرى من الفساد الأخلاقي. رجل يكذب أو يسرق أو يمارس الظلم قد يظل "محترمًا" اجتماعيًا، بينما قد تُدان امرأة وتُنبذ لمجرد شبهة أو إشاعة هذا التناقض لا يعكس منظومة أخلاقية، بل ميزان قوى غير عادل
ترى الفيلسوفة النسوية سيمون دي بوفوار أن اختزال النساء في جسدها هو أحد أشكال نزع الإنسانية عنها، حيث تُعرَّف بوصفها "الآخر" لا بوصفها ذاتًا كاملة هذا الاختزال لا يخدم الأخلاق، بل يعزز السيطرة
في المجتمعات الأبوية، لا يُعد العار شعورًا أخلاقيًا صادقًا بقدر ما هو أداة للضبط الاجتماعي يُستخدم لإخضاع النساء، وتخويفهن، ودفعهن للامتثال لذلك لا يُطبَّق بالتساوي، بل يُوجَّه حيث توجد الحلقة الأضعف الرجل، بوصفه صاحب السلطة، نادرًا ما يتحمل العبء نفسه، حتى عندما يكون شريكًا كاملًا في الفعل نفسه
الأخطر أن هذا المنطق يُعاد إنتاجه أحيانًا عبر النساء أنفسهن؛ فالأم تراقب ابنتها باسم الخوف، والمجتمع يبرر القسوة باسم الحرص، ويُغلَّف العنف بخطاب السمعة هكذا تستمر الدائرة، لا لأنها عادلة، بل لأنها موروثة
لم يكن تحوّل جسد المرأة إلى أداة للسيطرة الاجتماعية حادثة عابرة، بل مسارًا تاريخيًا تراكميًا ارتبط ببناء السلطة ذاتها جرى تحميل الجسد الأنثوي بمعانٍ أخلاقية وثقافية وقانونية جعلته مساحة مراقبة دائمة، تُقاس من خلالها "الفضيلة" و"الشرف" و"الانضباط الاجتماعي"
التشييء (Objectification): تُختزل المرأة في جسدها، وتُربط قيمتها بمدى توافقها مع معايير الجاذبية السائدة، لا بقدراتها أو إنجازاتها
معايير الجمال المتناقضة: يُنتظر من المرأة أن تكون "مثالية" جسديًا، مع الالتزام في الوقت نفسه بأدوار تقليدية صارمة، ما يخلق صراعًا داخليًا دائمًا
الضغط النفسي وتدني تقدير الذات: تسهم هذه التوقعات المتضاربة في القلق والشعور بالفشل وتآكل احترام الذات
تشير دراسات علم النفس النسوي، مثل أبحاث نعومي وولف في كتاب أسطورة الجمال، إلى أن هذه المعايير ليست بريئة، بل أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة
إعادة النظر في مفهوم الشرف لم تعد رفاهية فكرية، بل ضرورة إنسانية فالمجتمعات لا تتقدم وهي تحاسب نصف أفرادها بمعايير مضاعفة، وتمنح النصف الآخر حصانة غير معلنة. ربط الشرف بجسد المرأة لا يحمي الأخلاق، بل يشوهها، لأنه يحول القيم إلى سلاح، والإنسان إلى رمز، والحياة إلى سجن اجتماعي
تحرير مفهوم الشرف لا يعني الدعوة إلى الفوضى، بل إعادته إلى معناه الحقيقي: مسؤولية فردية وممارسة أخلاقية شاملة لا تميّز بين رجل وامرأة. حين يرتبط الشرف بالعدل والاحترام والصدق، لا بالجسد والسيطرة، فقط عندها يمكن للمجتمع أن يدّعي الأخلاق دون تناقض
وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحًا هل نملك الشجاعة الكافية لنفصل بين الأخلاق والسيطرة؟ بين القيم الحقيقية والموروثات التي آن لها أن تُراجع؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد إن كنا نعيش في مجتمع يحترم الإنسان، أم في مجتمع ما زال أسير عادات قديمة تُدار باسم الشرف